كتاب مفهوم النص
مفهوم النص
المؤلف : الدكتور نصر
أبو زيد
الناشر : دار الثقافة
الجديدة
تاريخ النشر : الطبعة
الأولى 1993
عدد الصفحات : 220 من
القطع الكبير
المصدر مجلة العربى
"الكويتية" العد 413 مارس 1993
عرض : فؤاد كامل
هذا هو الكتاب الثالث
فى سلسلة "دراسة تراثنا الفكرى" التى يصدرها الدكتور نصر حامد ابو زيد
الاستاذ بقسم اللغة العربية فى جامعة القاهرة، والتى بدأها بكتابة "الاتجاه
العقلى فى التفسير" ثم أردفها بكتابه الثانى "فلسفة التأويل" وكان
تركيزه فى هاتين الدراستين السابقتين ينصب على الآفاق الفكرية والمعرفية التى تبدأ
منها عمليات التفسير والتأويل.
يركز
المؤلف فى هذه الدراسة الثالثة على جانب النصر ذاته وعلاقة المفسر به وجدله معه
وذلك فى محاولة لاكتشاف مكونات النص وآلياته الخاصة، ودوره الإيجابى فى عملية
التأويل وهى محاولة تهدف الى إعادة التوازن بين طرفى عملية التأويل وهما النص
والمفسر فلا يهدر احدهما على حساب الآخر كما يحدث احيانا فى فلسفة التأويل
المعاصرة.
ويقع الكتاب فى 359
صفحة من القطع المتوسط، وقد صدر على الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1990 وقدم
له المؤلف بتمهيد يعرض فيه منهجه وخطته والملامح الرئيسيه فيه ويقصد
"بالنص" القرآن الذى يعتبره نصا محوريا فى تاريخ الثقافة العربية بحيث
نستطيع ان نقول ان الحضارة العربية الإسلامية هى "حضارة النص" بينما
كانت الحضارة المصرية القديمة هى حضارة "ما بعد الموت" وكانت الحضارة اليونانية هى حضارة "العقل".
بحث
عن البعد المفقود فى التراث
والبحث
عن "مفهوم النص" عند المؤلف ليس مجرد رحلة فكرية فى التراث ولكنه فوق
ذلك بحث عن "البعد" المفقود فى هذا التراث وهو البعد الذى يمكن ان
يساعدنا على الاقتراب من صياغة "الوعى العلمى" بهذا التراث ولا يأتى ذلك
للباحث فى القرآن الا حين يعتمد اساسا على دراسة ادبية لكتاب العربية الأوحد دراسة
صحيحة مفهمة له فهذه الدراسة هى الكفيلة بتحقيق "وعى علمى" نتجاوز به
موقف "التوجيه الأيديولوجى" السائد فى ثقافتنا وفكرنا والبحث عن هذا
المفهوم وبلورته وصياغته لا يمكن ان يتم بمعزل عن إعادة قراءه "علوم
القرآن" قراءة جديدة باحثة منقبة.
ويرى
المؤلف ان التركيز على وظيفة ما لنص من النصوص – دون غيرها من الوظائف الممكنة والمحتملة
لهذا النص – يرتبط بالاتجاه العام السائد
المسيطر على الثقافة فى حركتها الجدلية مع الواقع الذى تصوغه وتعبر عنه وقد
فرضت بعض الاتجاهات السائدة عبر تاريخنا الإسلامى عزله على "النص"
الدينى عن حركة الواقع فى كثير من الاحيان بأن اغلقت على المفكرين "باب
الاجتهاد" بعد ان كانت "الشريعة" و "علوم القرآن" بوجه
عام تصوغ نفسها مع حركة الواقع الإسلامى فى تطوره وأوضح دليل على ذلك ما نراه من
اختلاف النص القرآنى من حيث مضمونه واسلوبه فى مرحلته "المدنية" عنه فى
مرحلته "المكية" المرحلة الاولى هى مرحلة تأسيس "مجتمع" جديد
نقيض للمجتمع السائد المسيطر فى "مكة" والمرحلة الثانية هى مرحلة
"البناء الاجتماعى" وتقنين هذا البناء. وليس هذا كله – فى التحليل الاخير – سوى تعميق لمفهوم "الدين" يقصره على
الشعائر والعبادات فى حين " الدين" مفهوم ثقافى عام يتجاوز حدود العقائد
والشعائر.
هل
يوجد نص مطلق ؟
والاتجاه
السلفى فى العصر الحديث هو الذى يطالب بتطبيق "نص مطلق" على "واقع
مطلق" وفى المقابل هنا تيار "التجديد" الذى لا يتقبل
"التراث" القديم كما هو وانما يريد ان يضع صياغة جديدة لهذا التراث بطرح
ما لا يلائم عصرنا وبتأكيد الجوانب الايجابية فى هذا التراث ووضعها فى اللغة
المناسبة لعصرنا. فالتراث ليس له وجود مستقل عن واقع حى يتغير ويتبدل يعبر عن روح
العصر وتكوين الجيل ومرحلة التطور التاريخى ولا مندوحة للباحث عن الاختيار بين
الاتجاهات المختلفة ذلك الاختيار الذى يحدده موقف الباحث من الوقع الذى يعيش فيه
بوصفه شرطا اوليا للتجديد ومطلب التجديد على وجاهته واهميته اذا لم يستند الى فهم
"علمى" للاصول الموضوعية التى قام التراث على اساسها كفيل بان يؤدى الى
تكريس اشد عناصر التراث تخلفا الى جانب النه يساند – دون وعى – اشد القوى سيطرة وهيمنة ورجعية فى الواقع
الراهن.
وعلى
هذا يكون المؤلف قد اوضح الهدف من هذه الدراسة وهما فى الواقع هدفان اما اولهما
فهو إعادة ربط الدراسات القرآنية بجمال الدراسات الادبية والنقدية بعد ان انفصلت
عنها فى الوعى الحديث والمعاصر نتيجة لعوامل كثيرة ادت الى الفصل بين محتوى التراث
وبين مناهج الدراس العلمى وصارت الدراسات الاسلامية نتيجة لذلك مجالا حائرا بين
التخصصات الاكاديمية. او بعبارة اخرى هى امتداد لمحاولات سبقتها فى النظر الى
التراث ودراسته من منظور وعينا المعاصر.
واما
الهدف الثانى فيتمثل فى محاولة تحديد مفهوم "موضوعى" للإسلام مفهوم
يتجاوز الطروح الأيديولوجية من القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة فى الواقع
العربى الإسلامى. اذ يرى الباحث ان اعادة طرح السؤال : ما هو الإسلام ؟ من خلال
البحث عن مفهوم للنص هو بمثابة التساؤل عن هويتنا الحضارية فى التاريخ سواء كنا
مسلمين ام كنا مسيحيين ما دمنا نعيش واقع هذه الثقافة العربية الإسلامية بمكوناتها
التاريخية.
ويذهب
المؤلف فى معرض حديثة عن المنهج الذى اتبعه فى كتابه الى ان هذه الدراسة تنطلق من
مجموعة الحقائق التى صاغته الثقافة العربية حول النص القرآنى من جهة كما انها
تنطلق من المفاهيم التى يطرحها النص ذاته عن نفسه من جهة اخرى وقد اختار النص
اللغة التى يخاطب بها الناس عن طريق الوحى الذى اسقبله خاتم النبيين والمرسلين
ولما كانت اللغة هى من اهم ادوات الجماعة فى ادراك العالم و تنظيمه فلا يمكن ان
نتحدث عن هذه اللغة بوصفها مفارقة للثقافة والواقع ولا يمكن من ثم ان نتحدث عن
"نص" مفارق للثقافة والواقع ايضا ما دام انه نص داخل اطار النظام اللغوى
للثقافة إن الوهية مصدر النص لا تنفى واقعية محتواه ولا تنفى من ثم انتماءه الى
ثقافة البشر ولما كانت العلاقة بين النص والثقافة علاقة جدلية معقدة تتجاوز كل
الدعاوى الايديولوجية فى ثقافتنا المعاصرة عن النص ومن اجل الكشف عن بعض جوانب هذا
التداخل بين النص والثقافة اعتمدت هذه الدراسة بصفة اساسية على المدخل اللغوى.
تشكل
النص
كما
اعتمدت بصفة اساسية ايضا على ان "النص" موضع الدارسة لم ينزل كاملا
ونهائيا فى لحظة واحدة، بل كان نزوله خلال فترة زادت على العشرين عاما. ومعنى ذلك
انه "تشكل" فى هذه الفترة ليكون له وجود متعين فى الواقع والثقافة بقطع
النظر عن اى وجود سابق له فى العلم الإلهى او فى اللوح المحفوظ. وهذا هو المنهج
الأول فى هذه الدراسة الذى يبدأ من المطلق والمثالى فى حركة هابطة الى الحسى
والمتعين. اما المنهج الثانى فهو حركة صاعدة تبدأ من الحسى والعينى صعودا يبدأ من
الحقائق والبديهيات ليصل الى المجهول ويكشف عما هو خفى.
ان
محاولة البحث عن مفهوم للنص سعى لاكتشاف العلاقات المركبة لعلاقة النص بالثقافة من
حيث تشكله بها اولا وعلاقته بها من حيث تشكيله لها ثانيا.
فالتشكل
والتشكيل هما موضوع الباب الاول من هذه الدراسة وهذا الباب ينقسم الى فصول خمسة هى
على التوالى : مفهوم الوحى ، المتلقى الاول للنص ، المكى والمدنى ، اسباب النزول،
ثم الناسخ والمنسوخ ويأتى الباب الثانى عن "آليات النص" من حيث علاقته
بالنصوص الاخرى فى الثقافة آلياته فى انتاج الدلالة من جهة اخرى ويضم هذا الباب
ايضا خمسة فصول هى على التوالى الإعجاز ، المناسبة بين الآيات والسور ، الغموض
والوضوح، العام والخاص، والتفسير والتأويل. وفى الباب الثالث والأخير يكشف المؤلف
عن التحول الذى اصاب مفهوم النص ووظيفته والذى صارت له السيادة فى الثقافة العربية
الإسلامية حتى عصورها الحديثة. ويمثلها "ابو حامد الغزالى" بوصفه المفكر
الذى التقت عنده تيارات الفكر الدينى واتجاهاته على المستويين الرسمى والشعبى وهو
فى هذه الوقفة مع "الغزالى" يستهدف الكشف عن اسباب بداية عزل النص عن
الواقع وعن حركة الثقافة من جهة والكشف عن جذور كثير من الافكار والمفاهيم الشائعة
فى الخطاب الدينى المعاصر من جهة اخرى باستخدام اساليب الدرس العلمى الحديث.
التقاء
الوحى بالواقع
بعد
هذا التمهيد الوافى لمنهج الدراسة واهدافها وملامحها العامة ينطلق المؤلف سعيا
وراء المواطن. التى يلتقى فيها الوحى بالواقع من حيث ان الوحى فى اللغة العربية
كلمة تتضمن معانى "الإلهام" و "الإشارة" و
"الإيماء" و "الكتابة" و "الكلام" ، وهذه المعانى
كلها يستوعبها معنى "الإعلام" بشرط ان يكون هذا الإعلام خفيا سريا وكذلك
فإن مفهوم الوحى يضمن مفهوم "الشفرة" وقد كان قبول العقل العربى لمفهوم
الوحى هو ما ارتبط فى اعتقاده بإمكان الاتصال بين البشر والجن عن طريق ظاهرتى
"الشعر والكهانة" وهذا الارتباط هو الاساس الثقافى لظاهرة الوحى الدينى
ذاتها لذلك لا نجد من العرب المعاصرين لنزول القرآن اعتراضا على ظاهرة الوحى ذاتها
بل انصب الاعتراض اما على مضمون كلام الوحى او على شخص الموحى اليه وعلى اساس تصور
هذا الاتصال بين البشر وعالم الجن او العوالم الاخرى امكن تفسير ظاهرة النبوة
ذاتها من خلال نظرية الخيال عند الفلاسفة والمتصوفة.
وينبغى
بداية ان نفهم النص من حيث هو رسالة لغوية، او "تنزيلا" الى الناس عبر
وسيطين : الاول الملك ، والوسيط الثانى محمد البشر انها رسالة السماء الى الارض
ولكنها ليست رسالة مفارقة لقوانين الواقع بكل ما ينتظم فى هذا الواقع من ابنية
واهمها البناء الثقافى ان المطلق يكشف عن نفسه للبشر "يتنزل" اليهم
بكلامه عبر نظامهم الدلالى الثقافى.
وتنجلى
علاقة النص بالثقافة والواقع بالنظر الى "تحنف" الرسول قبل نزول الوحى،
هذا "التحنف" الذى يمكن ان نعتبره بحثا عن "دين ابراهيم" الذى
يحقق للعرب هويتهم من جهة اخرى. وكان "الإسلام" هو الدين الذى جاء يحقق
هذه الاهداف فمن حيث هو دين يرد نفسه للحنيفية ملة ابراهيم – كان تجاوبا مع حاجة الواقع ، وهى الحاجة
التى عبر عنها الاحناف وكان محمد واحدا منهم تجسدت فى داخله احلام الجماعة البشرية
التى ينتمى اليها اناس لا يمثل ذاتا مستقلة عن حركة الواقع بل انسان تجسدت فى
اعماقه اشواق الواقع وأحلام المستقبل.
التفرقة
بين المكى والمدنى
ولقد
كانت التفرقة بين المكى والمدنى فى النص تفرقه بين مرحلتين مهمتين ساهمتا فى تشكيل
النص سواء على مستوى المضمون او على مستوى التركيب والبناء. وليس لذلك من دلالة
سوى ان النص ثمرة للتفاعل مع الواقع الحى التاريخى واذا كان علم "المكى
والمدنى" يكشف عن الملامح العامة لهذا التفاعل فإن علم "اسباب
النزول" يكشف عن تفاصيل هذا التفاعل، ويكاد يزودنا بالمراحل الدقيقة لتشكيل
النص فى الواقع والثقافة واسلوب التنجيم – اى نزول القرآن منجما – فى الشريعة يتضمن معنى الواقعية والتدرج
بالإنسان واعانته شيئا فشيئا على التخلى عن الجاهلية وعادتها المستحكمة فيه
والتحلى بالإسلام وفضائل اخلاقه والتفرقة بين المكى والمدنى هى تفرقة بين
"الإنذار" و "الرسالة" : "الإنذار" يرتبط بمصارعة
المفاهيم القديمة على مستوى الفكر والدعوة الى المفاهيم الجديدة فهو بمثابة تحريك
للوعى لإدراك فساد الواقع والنهوض من ثم الى تغييره و "الرسالة" تعنى بناء
ايديولوجية المجتمع الجديد وكانت الهجرة هى الفيصل بين هاتين المرحلتين.
ويعتبر
علم "اسباب النزول" من اهم العلوم الدالة والكاشفة عن علاقة النص وجدله
معه وهو يزودنا بمادة جديدة ترى النص استجابة للواقع تأييدا او رفضا وتؤكد علاقة
"الحوار" و "الجدل" بين النص والواقع وقد ادرك علماء القرآن
ان قدرة المفسر على فهم دلالة النص لابد ان تسبقها معرفة بالوقائع التى انتجت هذه
النصوص . هذا مع إدراكهم بأن للنص – من حيث هو نص لغوى – فاعليته الخاصة التى يتجاوز بها حدود
الوقائع الجزئية التى كان استجابة لها وهو ما ناقشوه تفصيلا فى قضية "العام
والخاص" وهى القضية التى يتعرض لها المؤلف فى الباب الثانى الخاص بآليات النص
وفضلا عن ذلك فقد ادرك العلماء ايضا ان النص وان كان من حيث "النزول" اى
من حيث ترتيب نزول اجزائه – مرتبطا بالوقائع والأسباب فإنه من حيث
التلاوة – اى من حيث ترتيبه الآن فى المصحف – يتجاوز هذا الارتباط بالوقائع ليقيم روابط
اخرى ناقشها العلماء ايضا فى "علم المناسبة بين الآيات".
حكمة
التشريع
بعد
ان يبين المؤلف اهمية دراسة "اسباب النزول" فى الباب الاول من كتابه
"مفهوم النص" ويؤكد ان معرفة هذه الاسباب لا تقتصر على مجرد الولع برصد
الحقائق التاريخية التى احاطت بشكل النص وانما تستهدف هذه المعرفة فهم
"النص"واستخراج دلالته فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب كما يقولون
هذا الى جانب ان دراسة الأسباب والوقائع تؤدى الى فهم "حكمة التشريع"
يقول : "ان هذا التدرج فى التشريع مهم جدا فيما نلح عليه من جدلية العلاقة
بين النص والواقع" بل "ان مثل هذا التدرج فى التشريع لا يؤكد جدلية
الوحى والواقع فقط بل يكشف عن منهج النص فى تغيير الواقع وعلاج عيوبه" ذلك ان
دلالة النصوص ليست الا محصلة لعملية التفاعل فى عملية تشكيل النصوص وصنعها من
جانبى اللغة والواقع وكلا الجانبين مهم لاكتشاف دلالة النصوص.
واذا
كانت "اسباب النزل" هى السياق الاجتماعى للنصوص وكانت علاقة النصوص
بالواقع جزءا اصيلا من مفهوم النص، فإن قضية "الناسخ والمنسوخ" تؤكد
ايضا هذا الارتباط الضرورى بين النص والواقع ومن ثم بين الإسلام وحركة المجتمع.
والمشكلة
الأساسية فى هذه القضية هى : كيف يمكن التوفيق بين هذه الظاهرة بما يترتب عليها من
تعديل للنص بالنسخ والإلغاء وبين الإيمان الذى شاع واستقر بوجود ازلى للنص فى
اللوح المحفوظ ؟
ولا
يرى المؤلف حرجا او تناقضا فى علمية النسخ والإلغاء لانه اذا كان النص فى مفهومه
الاساسى من حيث كونه وحيا انطلق من حدود مفاهيم الواقع فلا شك انه فى تطوره كان لا
بد ان يراعى هذا الواقع والاحكام الشرعية احكام خاصة بالبشر فى حركتهم داخل
المجتمع ولا يصح اخضاع الواقع لاحكام وتشريعات جامدة لا تتحرك ولا تتطور.
علاقة
النص بالواقع والثقافة
واذا
كان المؤلف قد ركز فى الباب الاول على علاقة النص بالواقع والثقافة فإنه يركز فى
الباب الثانى على "آليات النص" سواء من حيث صلته بالنصوص الأخرى داخل
الثقافة او من حيث طرائقه فى انتاج الدلالة.
ويبدأ
هذا الباب بقضية "الإعجاز" فيرى انه بحث عن السمات الخاصة للنص والتى
تميزه عن النصوص الاخرى فى الثقافة وتجعله يعلو عليها ويتفوق.
ولا
شك ان النص فى علاقته بالنصوص الاخرى يتضمن داخله دوال تؤكد مشابهته لها ولكنه
يتضمن ايضا دوال اخرى تؤكد مخالفته لها وهذا الإدراك لعلاقة "التماثل"
بين النصوص وعلاقة "المخالفة" بينها هو الذى دفع المفسرين القدماء الى
ان يكون اطارا مرجعيا فى تفسر القرآن . وهكذا ادرك المسلمون الأوائل ان
"النص" غير منعزل عن الواقع.
وجاء
المعتزلة بعد هؤلاء المسلمين الأوائل فذهبوا الى ان الكلام الإلهى فعل يرتبط
بمخاطبة البشر لتحقيق مصالحهم واصروا من ثم على ان اللغة نتاج بشرى وعلى مواضعاتها
وطرائقها نزل الكلام الإلهى وكان من الطبيعى بعد ذلك كله ان يكون تحديدهم للإعجاز
قائما على اساس اكتشاف قوانين عامة يمكن للعقل البشرى تقبلها والتسليم بها وهذه
القوانين قوانين لغوية يشارك فيها النص غيره من النصوص من جهة ولكنه يتفوق عليها
فى استثمار القوانين من جهة اخرى وهكذا يمكن ان نفيد من هذه القوانين لا فى تفسير
الإعجاز فقط بل فى تفسير خصائص النصوص الممتازة بشكل عام.
وبهذه
القضية – قضية الإعجاز – يرتبط علم آخر هو "علم المناسبة"
والفارق بين "علم المناسبة" وعلم "اسباب النزول" فارق بين درس
علاقات النص فى صورتها النهائية الأخيرة وبين درس اجزاء النص من حيث علاقاتها
بالظروف الخارجية او بالسياق الخارجى لعملية تشكل النص. انه بعبارة اخرى فارق بين
البحث عن جماليات النص وبين البحث عن دلالة النص على الوقائع الخارجية. نستطيع اذن
ان نقول مع القدماء ان علم "اسباب النزول" علم تاريخى فى حين ان
"علم المناسبة" علم اسلوبى بمعنى انه يهتم بأساليب الارتباط بين الآيات
والسور ولهذا قيل المناسبة امر معقول اذا عرض على العقول تلقته بالقبول. ومعنى ذلك
ان "العلاقات" و "المناسبات" احتمالات ممكنة، على المفسر ان
يحاول اكتشافها وتحديها فى كل جزء من اجزاء النص. او بعبارة اخرى ان المفسر يكتشف
جدلية اجزاء النص من خلال جدله هو مع النص وموجز القول هو ان "وحدة"
النص القرآنى بوصفه "بناء مترابط الاجزاء" على حد تعبير القدماء – هى الغاية التى تبحث عنها "علم المناسبة"
الغموض
والوضوح فى النص
وتسلمنا
دراسة "علم المناسبة" الى دراسة "الغموض والوضوح" فى النص
القرآنى وهى القضية التى وصفت فى القرآن "بالمحكم والمتشابه" وجدلية
الغموض والوضوح من اهم خصائص النص فى الدراسات النقدية الحديثة اذ الفارق بين النص
ذى الطبيعة "الاعلامية" الخالصة وبين النص الادبى يكمن فى قدرة النص الادبى
على إبداع نظامه الدلالى الخاص داخل النظام الدلالى العام فى الثقافة التى ينتمى
اليها. فالنص الادبى – على خلاف "النص الإعلامى" – يتضمن اجزاء تعد بمثابة "مفاتيح" دلالية تمكن القارئ من
الولوج الى عالم النص وكشف اسراره وغوامضه وهذا كله مفهوم معاصر للدلالة يرى ان
فعل القراءة – ومن ثم التأويل – لا يبدأ من المعطى اللغوى للنص اى لا يبدأ
من المنطوق بل يبدأ قبل ذلك من الإطار الثقافى الذى يمثل افق القارئ الذى يتوجه
لقراءة النص.
واختلاف
مذاهب التأويل للنص القرآنى اختلاف مردود الى آليه النص فى تحديد طبيعته الخاصة وهو
اختلاف لا يؤدى الى التناقض وانما يؤدى الى تحديد هويته وتمييزه عن غيره من النصوص
ليس هذا فحسب بل انه يتجاوز ذلك "ليجعل من نفسه محورا فى الثقافة عن طريق
قابليته للتفسيرات والتأويلات المختلفة فى المكان والزمان على السوء"
وكما
يرتبط "علم المناسبة" بين الآيات بعلم "اسباب النزول" فكذلك
يرتبط به علم "العام والخاص" وهو العلم الذى يهتم باكتشاف الطرائق التى
يمكن ان يستجيب بها النص لمتغيرات الواقع فى حركته النامية المتطورة عبر التاريخ
هو العامل الاكبر وراء التركيز على "عموم اللفظ" دون الوقوف عند
"خصوص السبب" لذلك نظر كثير من الفقهاء الى "الوقائع" الجزئية
التى يمثلها علم "اسباب النزول" بوصفها نماذج وامثلة لاحوال اجتماعية
وانسانية. وعلى ذلك فان دلالة النص لا تقف عند حدود هذه الوقائع الجزئية بل تنسحب
على كل الوقائع الشبيهة فالاصل فى آليات اللغة اذن هو التعميم.
التفسير
والتأويل
وفى
تفرقة مهمة بين التفسير والتأويل يخلص المؤلف بعد تحليل الدلالة اللغوية للكلمتين
الى ان "التأويل" يرتبط بالاستنباط فى حين يغلب على التفسير النقل
والرواية وعلى ذلك يكون "التفسير" جزءا من عملية "التأويل"
وتكون العلاقة بينهما علاقة الخاص بالعام من جهة او علاقة "النقل"
بالاجتهاد من جهة اخرى وهى العلاقة التى يعبر عنها القدماء بأسماء الرواية و
"الدراية" و "التفسير" ينتمى فى مفهومه الى اهل السنة على حين
ينتمى التأويل الى اهل الكلام وبخاصة المعتزلة – والى المتصوفة ولهذا كان موقف السنة من
هؤلاء على طرفى نقيض اذ يرى اهل السنة ان المعتزلة اخطأوا فى الدلالات التى حملوا
عليها الفاظ القرآن فكان خطؤهم نابعا من خطأ المتصوفة فيرتد الى حمل الفاظ القرآن
على معايير هى فى ذاتها صحيحة ولكن الالفاظ لا تدل عليها. ورفع مكانة
"التفسير" على حساب "التأويل" يعد جزءا من هذا الخطأ فى فهم
"اهل السنة" وفى موقفهم الفكرى قديما وحديثا.
ويذهب
المؤلف الى ان التأويل الذى لا يعتمد على "التفسير" هو التأويل المرفوض
والمكروه فالاستنباط لا يعتمد على مجرد "التخمين" ولا على اخضاع النص
لاهواء المفسر وايديولوجيته مهما كانت النوايا حسنة وانما لابد ان يستند الاستنباط
الى "حقائق" النص من جهة والى معطياته اللغوية من جهة اخرى ثم لا بأس
بعد ذلك من الانتقال من "الدلالة" الى "المغزى" دون الوثب
مباشرة الى "مغزى" يتعارض مع دلالة والتفسير هو العلوم الدينية واللغوية
التى يحتاج اليها المفسر للكشف عن الإله ونص الدلالة التى ينطلق منها
"المؤول" للغوص فى اعماق النص من خلال حركة "الذهن" او
"الاجتهاد".
والموضوعية
التى يمكن تحقيقها فى "تأويل" النصوص هى الموضوعية الثقافية المرهونة
بالزمان والمكان لا الموضوعية "المطلقة" الى ثبت انها مجرد
"وهم" من ابداع "ايديولوجية" الغرب الاستعمارى ذلك ان حركة
النص فى الزمان والمكان ليست الا حركة فى واقع حى متطور واكتشاف دلالات جديدة
للنصوص لا يعنى اسقاط الدلالات التى اكتشفت قبل ذلك من هذه النصوص. وعلى هذا ينبغى
ان يسلح المؤول بكل العلوم التى تساعده على فهم الواقع وادراك حركته وان يكون منتميا
لمصالح الاغلبية معبرا عنها.
الرؤية
المضادة لفلسفة التأويل
وعملا
بالحكمة القائلة بأن الاشياء تظهر بأضدادها لجأ المؤلف الى عرض الرؤية المضادة
لرؤيته فيما يتعلق بفلسفة التأويل وهذه الرؤية المضادة وجدها عند الإمام الغزالى
فى فلسفته التصوفية عن التأويل والتى يضمها كتابه الشهير "جواهر القرآن"
وهذا هو موضوع الباب الثالث وعنوانه "تحويل مفهوم النص ووظيفته" اذ يرى
المؤلف "ان حركة الوحى النازلة من الله الى الانسان والتى تعنى الكشف
والافصاح والبيان قد تحولت فى الفكر الدينى المتأخر الى حركة صعود من جانب الإنسان
سعيا الى الله ذاته. وعلى حين كانت حركة الوحى فى بدايتها تستهدف الإنسان بما هو
عضو فى جماعة ومن ثم تستهدف إعادة بناء الواقع لتحقيق مصلحة الإنسان ولإشباع
حاجاته المادية والروحية فقد كانت الحركة الإنسانية فى التصورات الصوفية حركة
للخلاص الذاتى الفردى بمعانقة المطلق والفناء فيه ونتيجه لذلك تم توجيه النص وتمت
اعادة تصوره فى الفكر لتحقيق هذه الوظيفة ولم يكن لمثل هذا التحول ان يتم الا بعد
حدوث تحول مواز فى حركة الواقع الذى تفاعل مع النص" ويلخص المؤلف تصورات
الغزالى للنص ولاهدافه وغاياته من منطلقين أساسيين : احدهما اشعرى كلامى والثانى
صوفى غنوصى – فالحقيقة ان الغزالى لم يتخل اطلاقا عن منهج المتكلمين والفلاسفة
كما يدعى – اما المنطلق الاشعرى للغزالى فيتحدد من حقيقة تصور الأشاعرة للنص
بوصفه "صفه" من صفات الذات الإلهية فى حين يتحدد منطلقة الصوفى من حصر
غاية الوجودى الانسانى على الارض فى تحقيق الفوز والفلاح فى الآخرة وفى المنطلق
الأشعرى ثنائية هى ثنائية الصفات والأفعال والكلام الإلهى عند الأشاعرة صفة وليس
فعلا كما ان فى البعد الصوفى ثنائية اخرى هى ثنائية الظاهر والباطن فالباطن هو
الأسرار والجواهر هى الحقائق التى يتضمنها النص من حيث هو مضمون اما الظاهر فهو
الصدف والقشر هو اللغة التى يظهر بها النص لافهامنا وعقولنا ولهذا يصنف الغزالى
العلوم القرآنية الى علوم القشر والصدف وهى علوم اللغة والقراءات والتفسير وعلوم
اللباب هى العلوم التى تهدف الى معرفة الله سبحانه وتعالى فى صفاته وافعاله
والوصول اليه هو الهدف الاسمى من الحياة والمعرفة والعلم.
فهناك
اولا : علم الذات والصفات والافعال ويلوه ثانيا علم الاخرة وهو علم المعاد ثم يأتى
بعد هذا كله علم السلوك الى الله او علم التعريف بالصراط المستقيم.
وتأويل
النص القرآنى يتم بالعبور من علوم القشر والصدف الى علوم اللباب والجواهر ويوازى
هذا العبور عملية العروج الخيالية بالقلب من عالم الحس والشهادة الى عالم الغيب
والملكوت.
وينتهى
المؤلف الى ان تصورات الغزالى كلها تعارض المقاصد الاولية للوحى والشريعة معا رغم
ما لقيته من شيوع وانتشار كما انها ساعدت على تحويل النص تدريجا الى
"شئ" ثمين فى ذاته بحيث تم "تشييئه" فى الثقافة فصار
"حلية" و "أيقونة".
ونحن
نرى من جانبنا ان هذه الدعوى الاخيرة فى حاجة الى مزيد من التوضيح والتفسير وربما
احتاجت فى نهاية الامر الى كتاب اخر من المؤلف صاحب كل هذه الاجتهادات.
وثيقة
حيثيات الحكم
فى
قضية نصر ابو زيد
لا
نفتش فى ضمائر العباد
بسم
الله الرحمن الرحيم
باسم
الشعب
حكم
محكمة
الجيزة الابتدائية للاحوال الشخصية وللولاية على النفس الدائرة 11 شرعى كلى الجيزة
بالجلسة المنعقدة علنا بسراى المحكمة فى يوم الخميس الموافق 27/1/1994
برئاسة
السيد الاستاذ / محمد عوض الله رئيس المحكمة
وعضوية
الاستاذين / محمد جنيدى ومحمود صالح القاضيين
وحضور
الاستاذ / وائل عبد الله وكيل النيابة
وحضور
الاستاذ / محمد على محمد سكرتير الجلسة
صدر
الحكم الاتى فى الدعوى رقم / 591 لسنة 1993 شرعى كلى الجيزة تفريق بين زوجين
المرفوعة
من /
1- محمد
صميدة عبد الصمد
2- عبد
الفتاح عبد السلام
3- احمد
عبد الفتاح
4- هشام
مصطفى
5- اسامة
السيد
6- عبد
المطلب محمد
7- المرسى
المرسى (مدعيين)
8- ضد
/
1-
نصر حامد ابو زيد
2-
ابتهال يونس (مدعى عليهما)
المحكمة
بعد سماح المرافعة ومطالعة الاوراق ورأى النيابة والمداولة :
حيث
تخلص واقعات الدعوى ى ان المدعيين عقدوا خصومتها بموجب صحيفة موقعة من اولهم وهو
محام اودعت قلم كتاب هذه المحكمة بتاريخ 17/5/1993 واعلنت إداريا للمدعى عليهما فى
25/5/1993 طلبوا فى ختامها سماع المدعى عليهما الحكم بالتفريق بينهما والزام
المدعى عليه الاول بالمصروفات بحكم مشمول بعاجل النفاذ.
وذلك
على سند مما حاصلة ان المدعى عليه الاول ولد فى اسرة مسلمة ويشغل وظيفة استاذ
مساعد الدراسات الإسلامية والبلاغة بقسم اللغة العربية بكلية الاداب جامعة القاهرة
ومتزوج من المدعى عليها الثانية وانه قام بنشر عدة كتب وابحاث ومقالات تضمنت طبقا
لما رأه علماء عدول كفرا يخرجه عن الإسلام الامر الذى يعتبر معه مرتدا ويحتم ان
تطبق فى شأنه احكام الردة ومن ذلك.
ما
نشره فى كتاب بعنوان "الامام الشافعى وتأسيس الايدلوجية الوسطية" وقد
اعد الدكتور عميد كلية دار العلوم تقريرا عن هذا الكتاب وذكر فى مستهله انه يمكن
تلخيص محتواه فى امرين : الاول العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة الى
رفضها وتجاهل ما اتت به والثانى : الجهالات المتراكبة بموضوع الكتاب الفقهى
والاصولى.
ان
المدعى عليه الاول طبع كتابا عنوانه "مفهوم النص – دراسة فى علوم القرآن" ويقوم بتدريسه
للفرقة الثانية بقسم اللغة العربية بكلية الآداب وان هذا الكتاب قد انطوى على كثير
مما رآه العلماء كفرا يخرج صاحبه عن الإسلام وفقا للتقرير الذى اعده استاذ الفقه
المقارن المساعد بكلية دار العلوم فى بحثه عن هذا الكتاب على النحو الموضح بصحيفة
الدعوى.
من
واقع كتب وابحاث المدعى عليه وصفه كثير من الدارسين والكتاب بالكفر الصريح ومنها
ما ورد بصحفية الأهرام والأخبار والشعب وجريدة الحقيقة فى الاعداد المبينة بصحيفة
الدعوى.
وان
المدعى عليه قد ارتد عن الإسلام وان من اثار الردة المجمع عليها فقها وقضاء الفرقة
بين الزوجين ومن احكامها انه ليس لمرتد ان يتزوج اصلا لا بمسلم ولا بغير مسلم اذ
الردة فى معنى الموت ومنزلته وان المدعى عليه وقد ارتد عن الإسلام فان زواجه من
المدعى عليها الثانية يكون قد انفسخ بمرد هذه الردة ويتعين التفريق بينهما فى اسرع
وقت و قدموا سندا لدعواهم عشر حوافظ مستندات طويت الاولى على – كتاب الامام الشافعى وتأسيس الايدلوجية الوسطية – وطويت الثانية على : العدد (125) من مجلة القاهرة ابريل سنة 1993.
وطويت الثالثة على صورة ضوئية خطية لتقرير عن الكتاب المودع بالحافظة الاولى منسوب
للدكتور محمد بلتاجى حسن عميد كلية دار العلوم وطويت الحافظة الرابعة على : كتاب
مفهوم النص تأليف المدعى عليه والمشار اليه سلفا وطويت الخامسة على : كتيب بعنوان
نقض مطاعن نصر ابو زيد للدكتور اسماعيل سالم الاستاذ المساعد للفقه المقارن بكلية
دار العلوم وطويت السادسة على : نسخة من كتاب نقد الخطاب الدينى تأليف المدعى عليه
. وطويت السابعة على مجموعة من اعداد بعض الصحف اليومية المختلفة – وتضمنت الحافظة الثامنة تقريرا للدكتور اسماعيل سالم عبد العال
بكلية دار العلوم بشأن كتب المدعى عليه مذكرة مشابهة لاستاذين بكلية الدراسات
الاسلامية تقرير للدكتور مصطفى الشكعة بشأن كتاب مفهوم النص بتأليف المدعى عليه
تقرير اخر من بعض الاساتذة وانطوت الحافظة التاسعة على صورة ضوئية من بحث المدعى عليه
وطويت الحافظة الاخيرة على : صورة ضوئية من حكم المحكمة الدستورية فى الدعوى رقم 7
لسنة 2 ق عليا دستورية بجلسة اول مارس سنة 1975و 2 – صورة ضوئية
من حكم النقض فى الطعن رقم 20 لسنة 34 ق بجلسة 30/6/66.
صورة
ضوئية من حكم نقض بجلسة 29/5/1968 فى الطعن رقم 25 لسنة 37 ق. و بجلسة 10/6/1993
حضر المدعى الاول عن نفسه وبصفته وكيلا عن كل من المدعيين الثالث والرابع بتوكيل
وعن المدعى السابع بتوكيل خاص مودع كما حضر المدعيان الثانى والسادس وقدم المدعى
الخمس حوافظ الاولى متقدمة البيان وطلب ادخال الازهر ومنحته المحكمة بهيئة سابقة
ومغايرة اجلا لذلك لجلسة 4/11/1993 وبتلك الجلسة حضر هيئة دفاع من المدعيين واخرين
معهم وعنهم كما حضر من المدعى عليهما هيئة دفاع وحضر نائب الدولة عن الخصم المدخل
(الازهر) وطلب المدعى الاول احالة الدعوى للتحقيق لاثبات خروج المدعى عليه الاول
عن احكام الاسلام وطلب دفاع المدعى عليهما والخصم المدخل اجلا للإطلاع ومنحتهم
المحكمة اجلا لجلسة 25/11/1993 وبتلك الجلسة حضر المدعى الاول عن نفسه وبصفته
وكيلا عن باقى المدعيين وطلب احالة الدعوى للتحقيق كما حضر دفاع المدعى عليهما
ودفع بعدم انعقاد الخصومة لعدم اعلانها فى المدة القانونية كما دفع بعدم اختصاص
المحكمة ولائيا بنظر الدعوى لان المحكمة لا تختص ولائيا بالحكم على صحة اسلام
مواطن وردته كما دفع بعدم جواز ادخال الازهر وقدم مذكرة بدفاع سلم صورتها للخصم
وقدم حافظة مستندات طويت على قرار وزير الداخلية بانشاء قسم شرطة 6 اكتوبر وبتلك
الجلسة حضر محام عن نفسه وبصفته وكيلا عن نقيب واعضاء نقابة المحامين عن المدعى
عليهما كما حضر كل من دكتورة ليلى مصطفى سويف دكتور احمد حسين الاهوانى الأساتذة
بكلية علوم القاهرة منضمين للمدعى عليهما بطلب رفض الدعوى كما حضر عبد الله خليل
المحامى عن نفسه وبصفته عن المنظمة الدولية لحقوق الانسان خصما منضما لمدعى عليهما
فى طلب رفض الدعوى وطلب المدعى الاول اجلا للإطلاع ولرد على الدفوع فمنحته المحكمة
اجلا لجلسة 16/12/1993.
وبجلسة
16/12/1993 وهى جلسة المرافعة الختامية حضرت هيئة دفاع من المدعيين وعنهم على النحو
الموضح بمحضر تلك الجلسة كما حضر عن المدعى عليهما هيئة دفاع المبينة بذات محضر
الجلسة وقدم المدعى الاول عن نفسه وبصفته مذكرة بدفاعه من ثلاث صور لهيئة المحكمة
تنازل فيها شرح ظروف الدعوى والرد على الدفوع المبداة بجلسة 25/11/1993 كما قدم
رشاد سلام المحامى مذكرة بدفاعه للمحكمة وسلم صورتها للنيابة العامة فى شخص ممثلها
بالجلسة ودفع ببطلان حضور المدعيين بالجلسة ومنذ بدء تداولها لانتهاء دورهم فيها
برفع الدعوى حيث لا يعتبرهم القانون خصوما فيها حيث ان النيابة العمومية هى خصم
المدعى عليهما فى دعوى الحسبية كما دفع تأسيسا على ذلك ببطلان اجراءات ادخال
الازهر فى الدعوى لصدور تلك الاجراءات ممن لا يملك الحق فيها وطلب الحكم برفض هذا
الادخال كما دفع ببطلان كافة طلبات ودفاع ودفوع المدعيين حيث لا صفة لهم فى الدعوى
وانضم له باقى هيئة الدفاع المدعى عليهم فى طلب رفض الدعوى وطلبوا حجز الدعوى
للحكم وطلبت هيئة دفاع المدعيين بضرورة الزام الازهر بتقديم المستندات التى تحت
يده باعتبار ان شيخ الازهر منوط به المحافظة على الدعوة الاسلامية وان المستندات
المطلوبة تتعلق بالنزاع وهى مصادرة كتب المدعى عليه ودفع ببطلان تدخل المتدخلين
انضماميا لانتفاء المصلحة بالنسبة لهم كما قدم دفاع المدعى عليهما عدة مذكرات
تناولت جميعها شرح ظروف الدعوى وانتهت فيها ايضا الى رفض الدعوى وقدم دفاع المدعى
عليهما ثلاث حوافظ مستندات طويت الاولى منها على :صورة ضوئية لخطاب موجه لعميد
كلية الآداب جامعة القاهرة بشأن اجتماع مجلس اللغة العربية ومرفق به تقرير لهذا
القسم.
صورة
ضوئية من تقرير لجنة مشكلة من مجلس كلية الآداب بشان ترقية المدعى عليه وكذا
تقارير وملاحظات بشأن ذلك ايضا وطويت الحافظة الثانية على 1-صورة ضوئية من الفتوى
رقم 80 ادارة الفتوى والتشريع لوزارة الخارجية والعدل مؤرخة 4/4/1960 2- صورة
ضوئية من حكم الطعن رقم 20 لسنة 34 ق احوال شخصية جلسة 30/3/1966 3- مجموعة صور
ضوئية لبيانات المنظمة المصرية لحقوق الانسان.
وبتلك
الجلسة فوضت النيابة العامة فى شخص ممثلها بالجلسة الرأى للمحكمة التى قررت ان
يصدر حكمها بجلسة اليوم.
وحيث
انه عن الدفع المبدى من دفاع المدعى عليهما بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر
الدعوى لان المحكمة لا تختص ولائيا بالحكم على صحة اسلام مواطن او ردته فانه لما
كان من المقرر ان لمحكمة الموضوع السلطة التامة فى تكييف الدفع واسباغ التكييف
الصحيح له دون التقيد بالعبارات التى اسبغها الخصوم واذا كان ذلك واثرا له فان
مبنى الدفع بعدم اختصاص المحكمة ولائيا ليس اختصاص جهة قضائية اخرى بموضوع الدعوى
وانما هو امتناع المحكمة عن البحث فى عقائد الناس استنادا الى ما يوجه اليهم من
اتهام فى عقائدهم من اخرين بما يكون معه حقيقة الدفع انه بعدم قبول الدعوى وليس
دفعا دفع بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظرها. واذا كانت حقيقة الدفع بأنه كذلك فان
المحكمة ستتناوله تاليا لتناولها الدفع المتعلق بانعقاد الخصومة امامها.
وحيث
انه عن الدفع المبدى من دفاع المدعى عليهما بعدم انعقاد الخصومة لعدم الإعلام
صحيحا فى المدة القانونية فإنه لما كان نص المادة 68 من قانون المرافعات المعدلة
بالقانون 23 لسنة 92 فقرتها الثالثة قد نصت على "ولا تعتبر الخصومة منعقدة فى
الدعوى الا بإعلان صحيفتها الى المدعى عليه ما لم يحضر الجلسة" كما قضى بان
الخصومة كما تنعقد بإعلان صحيفتها للمدعى عليه تنعقد ايضا بحضور المدعى عليه امام
المحكمة دون اعلان ومن باب اولى تكون الخصومة قد انعقدت بحضوره بعد اعلان باطل
(الطعن رقم 4946 لسنة 62 قضائية جلسة 6/1/94 لم ينشر بعد)
واذ
كان ذلك وكان المدعى عليهما قد حضرا امام المحكمة بوكلاء عنهم فأيا ما كان بطلان
الإعلان فحضورهما حقق الغاية منه ويكون الدفع فى هذا الشان قد نزل منزلا غير صحيح
من الواقع والقانون متعين الرفض.
وحيث
انه عن الدفع المبدى من دفاع المدعى عليهما بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذى صفة
لعدم وجود مصلحة مباشرة للمدعين فى هذه الدعوى والوارد بمحضر جلسة المرافعة
ومذكرات دفاع المدعى عليهما المقدمة بجلسة
16/12/1993 وحيث ان محكمة النقض قد ذهبت فى قضائها الصادر فى الطعن رقم 20 لسنة 34
ق "احوال شخصية" بتاريخ 30 مارس سنة 1966 الى ان "الحق والدعوى به
فى مسائل الاحوال الشخصية التى كانت من اختصاص المحاكم الشرعية وارجح الاقوال فى
مذهب ابى حنيفة وما وردت بشأنه قواعد خاصة فى قوانينها هو ان الشرعية الإسلامية هى
القانون العام الواجب التطبيق فى مسائل الاحوال الشخصية وعلما بالمادة 280 من
لائحة ترتيب المحاكم الشعرية تصدر الاحكام فيها طبقا لما هو مدون بهذه اللائحة
والارجح الاقوال من مذهب باى حنيفة فيما عدا الاحوال التى وردت بشأنه قوانين خاصة
للمحاكم الشعرية ومنها قانون الوصية وقانون المواريث تضمنت قواعد مخالفة للراجح من
هذه الاقوال فتصدر الاحكام فيها طبقا لتلك القواعد ومؤدى ذلك انه لما لم تنص تل
القوانين على قواعد خاصة تعين الرجوع الى ارجح الاقوال من مذهب ابى حنيفة "اى
ان هذا القضاء خالص الى ان الحكم المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشعرية والذى
جرى على ان تصدر الاحكام طبقا للمدون فى هذه اللائحة ولارجح الاقوال من مذهب ابى
حنيفة فيما عدا الاحوال التى ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة فيجب
ان تصدر الاحكام طبقا لتلك القواعد "هذا يجعل من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية
وما تحيل فيها الى ارجح الاقوال فى مسائل الاحوال الشخصية دون ما تفرقه فى هذه
المسائل بين قواعدها الموضوعية وقواعدها الاجرائية لئن كان ذلك هو ما ذهبت اليه
محكمة النقض الا ان هذا القضاء بما خلص اليه على هذا النحو يتصادم مع احكام
القانون رقم 462 لسنة 1955 ثم انه يستجلب المغايرة بعد صدور قانون المرافعات المدنية
والتجارية رقم 13 لسنة 1968 وبعد صدور الدستور المصرى سنة 71.
بيان
ذلك ان الاساس فى التفرقة بين القواعد الموضوعية والقواعد الاجرائية التى تحكم
مسائل الاحوال الشخصية قد أرستها احكام القانون رقم 462 لسنة 1955 حيث نصت المادة
الاولى منه على ان "تلغى المحاكم الشرعية والمحاكم الملية ابتداء من اول
يناير سنة 1956 وتحال الدعاوى المنظورة امامها لغاية ديسمبر 1955 الى المحاكم
الوطنية لاستمرار النظر فيها وفقا لاحكام قانون المرافعات وبدون رسم جديدة الخ
"ثم جاءت المادة الخامسة من ذلك القانون اقطع صراحة فى بيان قصد الشارع فى ان
تخضع القواعد الاجرائية فى مسائل الاحوال الشخصية لقانون المرافعات حيث نصت على ان
تتيح احكام قانون المرافعات فى الاجراءات المتعلقة بمسائل الاحوال الشخصية او
الوقف التى كانت من اختصاص المحاكم الشرعية او المجالس الملية عدا الاحوال التى وردت
بشأنها قواعد خاصة فى لائحة ترتيب المحاكم الشرعية او القوانين الاخرى المكملة
لها" بما مؤداه ان نص المادتين الاولى والخامسة من القانون رقم 462 لسنة 1955
قد ارسيتا قاعدتين اولهما هى فصل القواعد الموضوعية عن القواعد الاجرائية التى
تحكم مسائل الاحوال الشخصية بحيث ينحسر نطاق حكم المادة 280 من لائحة ترتيب
المحاكم الشرعية فيما يحيل فيه الى ارجح الاقوال من مذهب ابى حنيفة الى القواعد
التى تتصل ما يعرض من امور تتعلق بتطبيق اللائحة ذاتها باعتبار ان الاصل فى هذه
اللائحة انها لائحة اجرائية، وثانية القاعدتين انه فى المسائل الإجرائية يكون
قانون المرافعات المدنية والتجارية هو القانون العام الذى تطبع احكامه على كل
مسألة اجرائية لم يرد بشأنها حكم خاص فى لائحة ترتيب المحاكم الشرعية او فى اى
قانون اخر.
وحيث
انه متى كان قضاء النقض المشار اليه لم يبن على مناقشة نصوص واحكام المادتين
الاولى والخامسة من القانون 462 او بيان كيفية اعمالهما فى التطبيق فان اغفاله
لهما مع قياسهما واستمرار سريانهما يوجب انفاذ احكامها والالتفات عن اى قضاء
يخالفها.
وحيث
انه فضلا عما تقدم فإن النقض المشار اليه بات بعد صدور دستور سنة 71 منحسرا عن
مواكبة البيئة التشريعية المصرية الجديدة فى قمة هرمها ذلك ان هذا القضاء اذ اطلق
اعمال ارجح الاقوال فى مذهب الامام ابى حنيفة فيما يتجاوز حدود الاحالة التى
تضمنتها المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية وهى احالة تقتصر على وجوب
الاخذ بارجح الاقوال فى هذا المذهب فيما يعرض من امور تتعلق بتطبيق هذه اللائحة
الاجرائية فانه يكون فى واقع الامر قد اعمل موضوعيا احد المذاهب التى تقوم عليها
الشريعة الاسلامية اعمالا قضائيا دون ان يصدر بها قانون واذ كان نص المادة الثانية
من الدستور قد جرى على ان "الإسلام دين الدولة" واللغة العربية لغتها
الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع" وكان قضاء
المحكمة الدستورية العليا قد استقر على ان الخطاب فى هذا النص موجه الى المشرع
وليس مؤداه اعمال مبادئ الشريعة الاسلامية مباشرة وقبل صدور تشريع بها اذ "لو
اراد المشرع الدستورى جعل مبادئ الشرعية الاسلامية من بين القواعد المدرجة فى
الدستور على وجه التحديد او قصد ان يجرى اعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التى
تتولى تطبيق التشريعات دون ما حاجة الى افراغها فى نصوص تشريعية محددة مستوفاة
للإجراءات التى عينها الدستور لما اعوز النص على ذلك صراحة "قضية رقم 20 لسنة
1 قد دستورية جلسة 4 مايو سنة 1985 والقضية رقم 70 لسنة 6 ق جلسة 4/4/1987 141
لسنة 4 ق جلسة 4/4/1987 فإن ذلك القضاء يكون قد جاء فى اطار بينة تشريعية تغيرت
جذريا بنصوص دستورية حاكمة وقضاء دستورى قوته الإلزامية هى قوة القانون.
وحيث
انه اذ صدر قانون المرافعات المدينة والتجارية رقم 13 لسنة 1968 ونص الغاء قانون
المرافعات السابق رقم 77 لسنة 49 وعلى الغاء كل حكم يخالف ما جاء فيه من
احكام فإنه بذلك لم يعد من سبيل لصحة اية
مسألة اجرائية الا ان يكون لها سند فى هذا القانون او فى اى قانون خاص اخر اذ كان
ذلك وكان نص المادة الثالثة من هذا القانون قد جرى على ان "لا يقبل اى طلب او
دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون .. "
والمصلحة
القائمة التى يقرها القانون فى هذا الصدد هى المصلحة فى حماية حق من ابدى الطلب او
الدفع او حماية مركز القانونى الموضوعى ويجب ان تكون هذه المصلحة مصلحة مباشرة.
لان المصلحة المباشرة هى مناط الدعوى بحيث لو تخلفت كانت الدعوى غير مقبولة (يراجع
الدكتور فتحى والى – الوسيط فى قانون القضاء المدنى – طبعة سنة 93 ص 95 وما بعدها ونفس الطعن رقم 15 لسنة 36 ق "
احوال شخصية" جلسة27/11/1968 طعن رقم 90 لسنة 16 ق جلسة 11/12/1974 طعن 341
لسنة 37 ق جلسة 16/5/1973 طعن رقم 126 لسنة 35 ق جلسة 20/12/1972 طعن رقم 80 لسنة
40 ق لسنة 3/12/1975 اذ كان ذلك وكانت الدعوى الماثلة بكل ما اشتملت عليه من طلبت
قد رفعت بحسبانها دعوى حسبة تستند الى احكام الشريعة الإسلامية لم يدع رافعوها ان
لهم فى رفعها مصلحة مباشرة وقائمة يقرها القانون ولم تكن احكام لائحة ترتيب
المحاكم الشرعية او اى قانون اخر قد اوردت احكاما تنظم شروط قبول هذه الدعوى واوضاعها
بما يكون الامر فى شأنها خاضعا لقانون المرافعات المدنية والتجارية الذى لم ينظم
بدوره اوضاع هذه الدعوى فى احكامه واتت هذه الاحكام على النحو المشار اليه نافيه"
لقبولها مؤدية الى القضاء بذلك فإن الدفع بعدم قبولها يكون قد جاء على سند صحيح من
القانون بما يتعين القضاء بإجابة المدعى عليهما اليه.
وحيث
انه عن المصروفات شاملة مقابل اتعاب المحاماة قد صارت لزاما على رافعى الدعوى
بحسبانهم خسروا غرم التداعى وذلك عملا بالمادتين 84/1 من قانون المرافعات والمادة
187 من القانون رقم 17 لسنة 1983 فى شأن المحاماة.
فلهذه الاسباب
حكمت
المحكمة / بعدم قبول الدعوى والزام رافعيها بالمصاريف ومبلغ عشرة جنيهات مقابل
اتعاب المحاماة
امين سر رئيس
المحكمة

ليست هناك تعليقات