الإسلام وأصول الحكم
الإسلام وأصول الحكم
تضمن الكتاب هجوما
على مؤسسة الخلافة لإنةا ليست أصلا من أصول الحكم فى الإسلام بل طرأت عليه فى عصور
متأخرة وان القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لم يتطرقا لموضوعها أو هى ليست
حكما من احكام الدين الإسلامى وإن إتفاق المسلمين لم ينعقد قط على خليفة. وقال
الكتاب أيضاً :الملك فؤاد فى وقت كان يتطلع الى الخلافة وسط سباق محموم بين امراء
المسلمين للحصول على مركز الخلافة لأنفسهم ولأن الخلافة فى رأى المؤلف ليست اصلا
من اصول الدين فلا داعى لوجود خليفة وبالتالى لا داعى لأن يترشح الملك فؤاد
للخلافة
كما اعتقد المؤلف أن
كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات انما هو شرع دينى خالص لله
ولمصلحة البشر الدينية لا غير .
وبالجملة فقد أراد
المؤلف أن يضع اساس عزلة القداسة عن الحكومات والائمة والحاكمين تأسيساً عن أن
الخلافة نظام سياسى وليست من اصول الدين ،و بذلك وضع اساساً لمحاسبة المحكومين
للحاكمين.
تعليقــات
أدى ظهور الكتاب إلى
حال غير عادية فى مصر وأثار رجال الدين ورجال القانون، وفى الحيز الدينى كان هناك
رأيان متباينان يرى احدهما -ويمثل علماء الازهر- افراطا فى حرية الرأى وخروجا عن
حد المعتقدات استحق المؤلف بسببهما محاكمته امام هيئة كبار العلماء الأزهريين
واخراجه من زمرتهم بينما رأى آخر من طبقة المتعلمين والمفكرين لا يرون فيه الا
بحثا اجتماعيا بريئا سلك مؤلفه فيه منهجا استقرائيا جديدا ..
ومن الجهة القانونية
فقد ادى ظهور الكتاب ومحاكمة مؤلفه إلى خلاف بين عبدالعزيز فهمى باشا وزير
الحقانية ورئيس حزب الأحرار الدستوريين، و يحيى ابراهيم باشا رئيس الوزراء
بالنيابة ورئيس حزب الاتحاد، فرأى الأول أن ما ذهب اليه الشيخ عبد الرازق خطأ فى
رأى دينى قد لا يستلزم اخراجه من وظيفته القضائية وأن هيئة كبار العلماء غير مختصة
بالنظر فى مثل هذا الحال، أما الثانى فيرى رأى هيئة كبار العلماء فى إنة أخطأ فى
رأى دينى يبعده عن منصة القضاء الشرعى. (المصور سبتمبر 1925)
وقد هاجم الكتاب
والمؤلف صحف البلاغ والاهرام والمقطم ومجلة المنار، التى اتهم صاحبها محمد رشيد
رضا المؤلف بالزندقة والإلحاد ووصفه الشيخ محمد قنديل فى البلاغ بإنة نار محرقة
وإنة ترديد لسياسة الكماليين فى تركيا.. وفى المقابل تصدى انصار حرية الفكر للدفاع
عن الكتاب وعن حرية التفكير والرأى المكفولة فى الدستور وابرزهم عباس العقاد
وسلامة موسى وأحمد حافظ عوض ود. منصور فهمى.
غير أن الكتاب اثار
جدلا من نوع آخر حين اعلن الشيخ احمد حسن مسلم عضو مجمع البحوث الاسلامية فى 1989
بما أسر له به الشيخ على عبد الرازق من أن المؤلف الحقيقى للكتاب هو د. طه حسين
وليس على عبد الرازق وكان ذلك فيما بين 1942 ، 1948. ولأن الشيخ مسلم رجل لا غبار
عليه فقد اثارت شهادته الاوساط الثقافية والدينية وشككوا فى هذه الشهادة على الرغم
من وجود خبر أن الشيخ على عبد الرازق قد تراجع عما جاء فى كتابه قبل وفاته والذى
نفته قطعا ابنته د. سعاد على عبد الرازق مؤكدة أن والدها لم يتراجع وإنة يملك من
الشجاعة ما يجعله يواجه الناس بتراجعه ويعلق موقفه الجديد على الملأ. (الوفد
نوفمبر 1989).
فى يونيو 1966 وقبل
وفاة الشيخ على عبد الرازق بشهور قليلة ذهب اليه الاستاذ محمود امين العالم
يستاذنه فى اعادة طبع كتابه فكان سعيدا وحريصا على أن يؤكد له إنة ما تخلى ولن
يتخلى عن كتابه أبداً ،وكان الحديث عن اعادة طبع الكتاب قد اثار فى نفسه الجرح
القديم فقال له لم اعد احتمل مغامرة جديدة اطبعوا الكتاب على مسئوليتكم ولا تطلبوا
منى اذنا بغير ضمان اكيد اطمئن اليه.
(الأهالى مايو 1985 )
وهذا معناه أن الشيخ
على عبد الرازق قد وافق على اعادة طبع الكتاب ومعناه إنة لم يتراجع عن افكاره
وتبقى قضية نسبة الكتاب إلى طه حسين وشهادة الشيخ مسلم فى ذلك لغزاً ربما تنجلى
اسبابه يوما ما.
محمد نصر.
معارك فكرية
الإسلام وأصول الحكم
عندما اصدر الشيخ على
عبد الرازق فى عام 1925 كتاب "الإسلام واصول الحكم" احدث ضجة وازمة
سياسية وفكرية ربما ما زالت اثارها قائمة حتى الان فقد تضمن الكتاب طائفة من
الافكار الحديثة كأفكارالمؤلف أن الخلافة تعنى النيابة عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى كل امور الدين والدنيا فى رأيه إن هذا مفهوم لا مصدر له فى الإسلام إذا لا
يوجد فى القرآن الكريم ما يدل على وجوبها، وقال من الطبيعى فى اولئك المسلمين
الذين يدينون بالحرية رايا ويسلكون مذاهبها عملا ويأنفون الخضوع الا لله رب
العالمين ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد فى كل يوم سبع عشرة مرة على الاقل من الطبيعى
فى كل يوم فى اولئك الأباه الاحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم ذلك
الخضوع الذى يطالب به الملوك رعيتهم الا خضوعا للقوة ونزولا عن حكم السيف.
وكتاب الشيخ على عبد
الرازق يمكن اعتباره امتداداً لافكار حزب الامة الاب الروحى لحزب الاحرار
الدستوريين فى رفض فكرة الخلافة الإسلامية والارتباط بالجامعة الاسلامية والدولة
العثمانية والدعوة إلى تحقيق استقلال سياسى وقومى للامة المصرية وهو أيضاً امتداد
لفكر احمد لطفى السيد والشيخ محمد عبده ويفسر ظهور هذا الكتاب الجرىء عدة اسباب
سياسية منها :
1- فى عام 1922 الغت الجمعية الوطنية
التركية السلطنة واقامت خلافة اسلامية ذات سلطة روحية فقط .
2- وفى عام 1924 اقدمت الجمهورية التركية
على الغاء الخلافة كلية وقد اثار هذا القرار مناقشات واسعة فى العالم الإسلامى حول
مدى شرعيته وفى مصر اهتم الازهر بامور الخلافة واتفق المشايخ على عقد مؤتمر عام فى
القاهرة وكان وراء ذلك النشاط كله تطلع الملك فؤاد إلى الخلافة ليكتسب المهابة بين
ملوك الإسلام ويركز سلطاته الفردية.
3- وقد عارض سعد زغلول فكرة احياء الخلافة
ودفع كاتب الوفد العقاد لمهاجمة هذه الدعوه ورفض وتشكك امراء المسلمين فكرة عقد
المؤتمر فى القاهرة خوفا من طموح الملك فؤاد وفى هذا الوقت ظهر كتاب على عبد الرازق
فارتفعت الاصوات فى الازهر بمصادرته ووقع ثلاثة وستون شيخا على عريضة ضد هذا
الكتاب وقامت المظاهرات ،واما هذا الضغط قررت هيئة كبار العلماء محاكمة مؤلف
الكتاب وانتهت المحاكمة باخراج على عبد الرازق من زمرة العلماء.
4- وقد هاجم الكتاب والمؤلف صحف البلاغ
والاهرام والمقطم إلى جانب مجلة المنار فاتهم الشيخ محمد رشيد رضا فى المنار
المؤلف بالزندقة والالحاد وفى صحيفة البلاغ هاجم الكتاب الشيخ محمد قنديل الرحمانى
فوصفه بإنة نار محرقة وإنة ترديد لسياسة الكماليين فى تركيا ،وفى صفحات البلاغ يصف
الشيخ محمد شاكر على عبد الرازق بإنة افجر ملحد فى تاريخ الإسلام ،وفى مواجهة رجال
الدين والمحافظين تصدى انصار حرية الفكر للدفاع عن الكتاب وعن حرية التفكير والرأى
المكفولة فى الدستور وابرزهم عباس العقاد واحمد حافظ عوض ود. منصور فهمى وسلامة
موسى وكذلك فقد وقف الشيخ على عبد الرازق فى صمود يدافع عن آرائه ويتحدى المهاجمين
وحرص على ادخال الشك فى حقبته الباعث على موقف خصومه منه ومن كتابه بالايحاء بأن
باعثهم ليس الغيرة على الخلافة الاسلامية وفشلت دعوة الخلافة.
عبد
الرحمن أبو عوف ( الجمهورية 5/5/1987)
أزهريان يقودان
التحرر الفكرى فى مصر
جلست إلى طه حسين مرة
فارتج على. تزاحمت خواطرى فلم املك نفسى ولا قلبى ولا لسانى دخلت غرفة مكتبه فى
فيلا رامتان بالهرم ولم يطل انتظارى فى المدخل حتى اتفرس فيه ملياً ورغم السرعة
لأن الوصول كان فى الموعد والاستقبال فى الموعد وكل شىء مرتب فى بيته كنت قد خطفت
بصرى إلى المبنى والحديقة قبل أن ادخل ذوق الحديقة فرنسى واختيار اللون الابيض
الشمعى ذوق أوربى رقيق تحت سماء صافية الزرقة مشرقية تحس ضوءها بلوريا على الارض
وجلست امامه وكان الضوء باهتا بل خافتا شديد الخفوت زاد من خفوته أن الكتب كثيرة
ومجلدة ومن الارض إلى السقف فإذا بالظل المضىء يعكس ظلا واهنا وانساب فى اذنى
صوته. من اجمل الاصوات العربية.
صوتان آخران اثرا
على.. صوت ملك على مسمعى تماما كلما ارتويت منه اكتشفت عطشى هو صوت الشيخ محمد
رفعت إنة الدفء والصفاء والتقوى وصوت آخر هو صوت العقاد كان يلفت سمعى دائماً. تتدافع
فيه الكلمات وكان بعضهما ينكفىء على بعض. كان يلقى بسرعة فيه بعض التهدج من بعيد
تخفيه انفة ملحوظة. كان صوت العقاد يأخذنى بنبرة الكبرياء العنيد احد محامده
العظيمة وملأ صوت طه حسين الغرفة الواهنة الضوء وكاد يملؤها فلم اجد معه كلاما.
ارتد صوتى امتد سمعى واخذ صوته يملا الغرفة على تماما. رجاحة عقل. سلامة نطق.
سلاسة فى عذوبة.
واخيرا نطقت ..
*قلت اريد أن اخرج
عددا خاصا من مجلة الهلال عنك وابتلعت بقية الجملة ومن بعده عن عباس العقاد ثم
توفيق الحكيم واحمد شوقى وقلت شيئاً عن فرنسا ولم اقل كيف تتبعت دراساته فى فرنسا
وقلت شئيا عن ديكارت ولم اقل ولم استطع خوض الحديث عن تاثير الديكارتية على العقل
العربى، تدافعت على رأسى فى لحظات ساعات من القراءة له والشغف به، تعثرت لم اعرف
هل اسرع وراءه فاكبو أم ابطىء فلا اصل اليه، ادرك ما انا فيه فاخذ يدى برفق ومال
إلى الفكاهة .
**قال : ذكرتنى يوم
عدت من البعثة وكيف لقبنى شيخ منهم بازدراء بالأفندى وروى ما كتبه عن الذين كانوا
يهددون بالويل كل من ذهب إلى فرنسا بفتح الراء ومدها بالالف لأن من ذهب اليها كافر
أو على الاقل زنديق، وقال إنة نزل بعد عودته من البعثة فى بيت آل عبد الرازق، مصطفى
وعلى وللاخير وهو مصمم اصبح افنديا أيضاً قصة تروى. ظل يتحدث لم استطع أن ابادله
الحديث ولم استطع أن اتفرس فيه تماما. كان صوته يملأ الغرفة وكانت فكاهته تشعشع
وسط اسلوبه الجزل السلس. واستاذنت وفى الطريق تذكرت صباى اول كتاب ادبى قرأته وانا
مازالت غض الخيال.
تذكرت دار الكتب بباب
الخلق وقد وقعت على كتاب "القصر المسحور" فى سلسلة إقرأ وهو الكتاب الذى
الفه طه حسين وتوفيق الحكيم من شهر زاد فى باريس وتذكرت صباى قارئا وللصبا لياقة
خيالية على وزن اللياقة البدنية.
فكثيرا ما وقفت ألاحق
فى الحدائق أو على النيل صبية صغارا يلعبون ويقفزون ويدورون ويدوخون كإنةم يوشكون
أن يخلعوا قلوبهم من صدورهم
إنة الصبا وفى الصبا
لياقة خيالية ..
قدرة على القفز على
الصور ،القفز من وراء الكلمات ازاحة الحرف ورؤية ما تحته من معان، تكبير الكلمات
ونفخها كإنةا فقاعات صابون ملون ثم فرقعتها وتناول اخرى ونفخها وفرقعتها وهكذا
!!.. نعم فالقراءة فيها لعب وغبطة وقد كانت الكتب هى ملاعب صباى احسست بين سطورها
وخلف اسوارها السعادة. توسدت المعانى وافترشت الصور وقفزت بين سطر وسطر لا ابالى
التعب قفز القلب من صدرى أم بقى وكتاب القصر المسحور للحكيم وطه حسين قرب إلى
الخيال والجمال فتح لى عالم الادب والبلاغة من لآلىء الاساطير وسحر المعانى
واعجبتنى اللعبة فالتهمت "الايام" وفتح لى كتاب الايام صفحات عن ارق ما
كتب فى الادب العربى. حياة اليتيم الفقير طالب العلم "عالم من القسوة
والرحمة" عالم الفقير والطموح لا يدركه غير اذكياء الفقر ولا اعرف لماذا
تخليت دائماً ذلك البيت الذى كان يسكن فيه طه حسين إلى جوار الازهر فى بيت يشبه
بيوت الاوقاف القديمة أو الارباع العتيقة ولست انسى تلك الصفحات من الايام التصقت
بذاكرتى وانا صبى كما التصقت فيما بعد صفحات من الجريمة والعقاب لديستوبفسكى والشاب
يحاول الهرب من صاحب البيت وصفحات من قصة عشق الحياة التى صورت الرسام فإن جوخ وهو
يقطع اذنه ليهديها إلى حبيبته التى رفضته وحين يضع يده فوق نار شمعة حتى يثبت لها
إنة اقدر على احتمال الآلام صور عديده لا داعى لذكرها على التفصيل ولكنها مرت
بخاطرى عن انطباعاتى كقارىء فى الصبا وانا عائد من بيت طه حسين حين لقيته اول مرة
وارتج على الكلام وقلت لنفسى فى الطريق
الحمد لله أنك لم تثقل بانطباعات خيالك الصبيانى فما للكاتب واحاسيس قارئه
..حين كنت صبيا يرفع الحروف ويبحث عن المعانى تحتها.
وفى باريس هجرت اكمال
دراسة القانون وتوزعت بين الادب والفكر والفن، وكنت أسخر من اعضاء البعثة الحكومية
الذين جاءوا يدرسون فى مدرسة الحقوق وكانت السوربون لا تعترف الا بالكليات الثلاث
الاصلية التى تأسست بها جامعة السوربون الدينية القديمة وهى الآداب والعلوم والطب،
وكانت السوربون تعتبر التجارة مدرسة عليا وتسمى معهد القانون مدرسة القانون وكنت
أسأل زملائى معابثا : وأين القبقاب ؟
وكانوا يقولون: وما
هو القبقاب ؟ وكنت اروى لهم قصة هذا الاديب والشاعر الذى ذهب إلى باريس فى بعثة
حكومية وكان يفتخر إنة حمل معه نيقابا –مصنعية- حتى لا تمس قدمه ارض باريس النجسة
الكافرة وإنة عاد إلى مصر بالقبقاب نفسه فخورا معافى. والمهم اننى توزعت بين مدرسة
اللغات الشرقية والسوربون واللوفر وكتبة القديسة جنيفيف ،وذات يوم كنت ابحث فى احد
رفوف مكتب مدرسة اللغات الشرقية فإذا بى اجد فى ركن قصى كتابا مجلدا وكان رسالة طه
حسين عن بن خلدون ورسالته الاجتماعية وكانت هذه الاطروحة مفخرة للكاتب ولبلاده
لإنة إنةاها فى مدة قصيرة جداً واستطاع أن يقبل فيها بعض اراء بن خلدون وان يفند
بعضها الاخر وخاصة ما جاء عن العرب والعروبة .
وقد دهشت أن جورج
دافى عميد كلية الآداب فى السوربون عام 1949 كان قد اعد كتابا عن ابن خلدون أيضاً
بل إن رسالة الدكتوراة التى قدمها للسوربون كانت أيضاً عن ابن خلدون وقد وضعت
باريس ابن خلدون وغيره من المفكرين العرب فى مكانتهم اللائقة بين تاريخ الحضارات.
وكنت اذهب إلى سانت
جينيفيف وهو مكتبة ترجع إلى القرن السادس عشر ما زالت تشبه القصور العظيمة التى
اخذتها ثورة الفرنسيين فحولتها إلى متاحف ومكتبات عامة والقراءة فى هذه المكتبة
لوحدها موحية مثيرة لمتعة القراءة فقد كانت لا تزال تحتفظ بطريقة رفع الكتب من
البدروم إلى صالة القراءة عن طريق الاحبال وكان لا يقطع الصمت كاننا فى مكان مقدس
غير صوت تلك الكرات التى تكر وكان معناها أن كتابا جديداً قد وصل يقذف به عامل
التوزيع لطلاب المعرفة وعشاق المعانى ولطه حسين فى هذه المكتبة بالذات ذكريات
حميمة لإنة كان يذاكر فيه مع زوجته وكانت تقرأ له بعد أن خصص امين المكتبة لهما
غرفة خاصة كان يلجأن اليها فى برد الشتاء للدفء والقراءة معا .
ولا تمر مناسبه
لمرورى بباريس حتى اذهب إلى تلك المكتبة الخالده وكان اخرها منذ عامين حين عثرت
على تلك الخطابات التى كتبها الفيلسوف اوجست كونت فى 16 يوليو 1842 يقدم فيها محمد
مظهر باشا احد نوابغ مصر أيضاً الذين كانوا يدرسون الهندسة العسكرية مع رفاعة
الطهطاوى وكان يقدمه إلى الفيلسوف الانجليزى جون ستيوارت ميل.
واذا كان طه حسين عاد
من باريس بالدكتوراة وبرزوجته الوفية العظيمة فقد عاد أيضاً بتجربة خصبة لعصر
النهضة وارتباط النهضة الاوربيه بالاغريق واليونان وبالمنهج الديكارتى فى الشك من
اجل اليقين والنقد بالعقل قبل القبول بالنقل وتزاوج حضارات البحر الابيض جميعا.
وكانت قضية المنقول
والمعقول قضية عصره بلا شك وجاء كتابه فى الادب الجاهلى 1925 نقلة فكرية خطيرة
زلزلت مناهج النقد فى الادب والتاريخ الادبى العربى واثارت عليه الرجعية والانغلاق
الفكرى وقد تسقط اعداؤه جملة فى كتابه عن سيدنا ابراهيم فاثاروا ثائرة جامعته
العريقة العتيقة الازهر وظهرت الكتب وعشرات الرسائل لدحض ارائه، وقاد مصطفى صادق
الرافعى ومحمد الخضر حسين وغيرهما حملة ضخمة لتحطيم طه حسين الذى ارتبط اسمه باسم
الجامعة المصرية الوليدة وعدل طه حسين من منهجه الديكارتى الذى خلص التاريخ الادبى
من كثير من العلل والعيوب. والغريب فى نفس العام 1925 شهد مولد كتاب اخر هو كتاب
الإسلام وأصول الحكمللقاضى الشيخ على عبد الرازق وكانت تربطه كما روى طه حسين
بعائلة عبد الرازق اواصر فكرية قوية وفى ظنى أن اهم كتابين ظهرا خلال الخمسين عاما
الاخيره وقد ل اابالغ خلال المائة عام هما هذان الكتابان:
"الإسلام واصول
الحكم" لعلى عبد الرازق و"الادب الجاهلى" لطه حسين فقد حكمت هيئة
كبار العلماء فى عام 1925 بفصل القاضى على عبد الرازق من القضاء واخراجه من زمرة
العلماء ووجهت الهيئة إلى الشيخ على عبد الرازق سبع تهم بموجب المادة 101 من قانون
الآزهر الذى كان قد اصدره الخديو عباس حلمى الثانى ليخضع بواسطته تمرد الازهريين
وثورتهم على استسلامه للانجليز، ورفضت الهئية اعتبار كتابه من المحاولات
الاجتهادية الفكرية التى يجوز عليها الخطأ والصواب ولم يكن على عبد الرازق سوى
امتداد متطور للشيخ محمد عبده فى الاصلاح الدينى والشيخ الامام هو صاحب الدعوة إلى
تحكيم العقل دائماً والمدافع عن سماحة الإسلام تأسيساً على إنة إذا صدر قول من
قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الدعاية من وجه واحد حمل على الايمان ولا
يجوز حمله على الكفر.
ومهما يكن فاننى اظن
أن هذين الكتابين -وكثيرون يتفقون معى- قد وضع واحد منهما اساس عزل القداسة عن
الحكومات والائمة والحاكمين تأسيساً عن أن
الخلافة نظام سياسى وليست من اصول الدين بذلك وضع اساس محاسبة المحكومين
للحاكمين كما أن الكتاب الثانى فى الادب الجاهلى وضع اسس المناقشة الحرة للتاريخ
الادبى فى عصرى الجاهلية والاسلام مما اخضع هذا التاريخ للنقد والتحليل دون أن
يتصور احد كما كانوا يتصورون إنة يرتفع فوق النقد ما دام جزءاً من السلف الصالح .
وليس هذا الاعتام سوى
فترة ركود وانحطاط، لم تكبل ضياء الازهر الشريف ولا عقول الدارسين فيه لأن الازهر
اقدم جامعات العالم شارك فى الجهاد الوطنى المصرى وتزعم الحركه الشعبية فى مقاومة
الاحتلال الفرنسى 1798-1801 وكان للازهر نصيب كبير فى ثورة عرابى 1881 (وبقيام
الاحتلال الانجليزى كما يروى توفيق الطويل قدم للمحاكمة زعماء الثورة وكان من
بينهم كثيرون من شيوخ الازهر وحدث أن سأل المحقق الشيخ حسن العدوى :
هل افتيت بعزل
الخديوى ؟
قال : لا ولكنى مستعد
أن اوقع على فتوى بذلك لأن الخديوى قد خرج عن الدين والوطن. فحكموا بتجريده من
جميع رتبه وامتيازاته. وقد هبت رياح العقل على الازهر ومن الازهر، فليس بدعاً أن
يكون رفاعة رافع الطهطاوى ازهريا، وأن يكون محمد عبده ازهريا وأن يكون طه حسين
وعلى عبد الرازق معممين تركا العمامه ولم يهجروا الديانة وليس بدعا أن يكون سعد
زغلول أيضاً قائد ثورة 1919 ازهريا وقد تكون حكمة التطور فى تلك العصور أن يحدث
التطور من الداخل، تطورهادىء على السطح عميق الجذور والأغوار ولعل المصريين فى تلك
العصور كانوا يحبون الاستمرار وكانوا لا يقبلون الاصلاح الا من مؤذنى المدينه اى
الذين يؤذنون داخل اسوارها لا من الذين يصيحون من خارجها وهذه قضية -على اى حال-
تحتاج إلى بحث طويل لا تتسع له مثل هذه الخواطر المتناثرة.
(الجمهورية
11/2/1973)
جولة الكتب
نحن امام قضية شائكة
ومتشابكة وهى قضية قديمة ومتجددة ابداً قضية الصراع والخلافات بين التيارات
الفكرية المختلفة وان اخذت اسماء مختلفة قيل. إنةا بين التيار الإسلامى والتيار
العلمانى وقيل إنة صراع بين القديم والحديث وقيل إنة صراع بين التعليم الدينى
والتعليم المدنى، ومع ضراوة الصراع بين التيارات المختلفه الا اننا نجد الاتفاق
والتوحد بين الجميع فى القضايا الكبرى التى تهم الوطن فمن الازهر الشريف كانت
مقاومة الاحتلال الفرنسى ايام حملة بونابرت ومن الازهر الشريف اثناء ثورة 1919
توحدت الامه مسلمون واقباط والتقت التيارات الفكرية فى مواجهة الاحتلال البريطانى
وامتزجت دماء الشهداء من جميع التيارات الفكرية على ارض القتال عام 1951 وتوحدت
الامه مع قرار تاميم قناة السويس كما توحدت فى مواجهة العدوان الثلاثى وهزيمة
يونيو 1967 وتوحدت فى انتصار حرب اكتوبر المجيدة عام 1973 ولم يكن المستعمر فى
عدوإنة على ارض الوطن يفرق بين تيار وآخر
من هنا تأتى اهمية الحوار بين التيارات الفكرية والرؤى المتعددة لمواجهة ما يهدد
الوطن اليوم ويفزع ابناءه الامنين تاتى اهمية مواجهة الارهاب مواجهة شاملة كتيبتها
الأولى العلماء والمفكرون والكتاب والادب والفنانون دفاعا عن الوطن حماية لابنائه
دفاعا عن التراث والتاريخ دفاعا عن الحاضر والمستقبل. ونحن إذا نقدم صـورة من
وقائـع ما حدث للشيـخ على عبد الرازق وما يحدث الان عن كتابه فنحن لا نري أن نتهم
أحداً أو نبرىء أحداً لكننا نسعى من اجل الحقيقة والدفاع عن الرواد العظام ونضع
ادوارهم فى زمإنةم وظروفهم ولم يعد مقبولا القاء التهم جزافا وصك قرارات ادانة
مسبقة وما حدث بالنسبة للدكتور طه حسين فى اربعة كتب. اثنان بالقاهرة وثالث فى
الاردن ورابع فى العراق.
امر مسىء ومسىء جداً
هذا مع وجود المئات من الكتاب وملايين القراء الذين واجهوا ذلك وسيظلون يواجهونه.
إن الخلاف فى الرأى لن يتوقف ولكن لابد من الالتزام بأدب الحوار كما إنة من الممكن
أن تلتقى التيارات الفكرية المختلفة حول اهداف عامة حماية للوطن.
الشيخ على عبد
الرازق: المفكر الذى ظلم حياً وميتاً!
(الإسلام وأصول الحكم) من تأليفه ..
وليس لـ:طه حسين
لماذا كتم الشيخ مسلم
شهادته منذ عام 1942
نشرت جريدة الجمهورية
يوم الجمعة الماضى أن الدكتور طه حسين هو مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم"
وليس الشيخ على عبد الرازق واعتمد الزميل الفاضل عبد اللطيف فايد بما نشره على
شهادة فضيلة الشيخ احمد حسن مسلم عضو مجمع البحوث الاسلامية وعضو لجنة المتابعة
وعضو لجنة الفتوى بالازهر الشريف والذى جاء فيها إنة فى شهر فبراير عام 1942 عندما
كان واعظا فى مركز بنى نزار والتقى بالشيخ على عبد الرازق فلما حضرت صلاة المغرب
كان اماما فى الصلاة فلما انقضت اخذ يصلى السنة واحصيتها عليه ست ركعات كاملة مثنى
مثنى واطال فيهن القراءة والركوع والسجود والدعاء فلما انتهى سالته : هذا حرص عظيم
وتدين محمود فكيف اذن وضعت كتاب الإسلام وأصول الحكموهو يتنافى مع ماشاهدته من
صلاتك سنة المغرب فقال : إن هذا الكتاب ليس من تأليفى وكانت المفاجاه حين قال
الشيخ على عبد الرازق : إن مؤلفه هو الدكتور طه حسين لقد كان يقصد منزلنا كثيرا
حين كانت تربطه باخى الشيخ مصطفى عبد الرازق زمالة فى الجامعة ورفقة فى دنيا الادب
وكانت دارنا مجلسه فى اغلب الأحيان وكانت اجل الدكتور طه حسين واتخذه استاذا
وفأجانى الدكتور طه حسين بالكتاب مطبوعا يحمل اسمى ودهشت للامر فلما قرأته استنكرت
ما فيه وسألت الدكتور طه حسين عن سبب فعلته فقال انى اريد لك شهرة عالمية.
ويمضى فضيلة الشيخ
احمد حسن مسلم فى روايته عن فضيلة الشيخ على عبد الرازق قال :قلت له: ولماذا سكت
عن هذا وقد تعرضت للكثير والكثير بسبب ما جاء فى الكتاب؟ فقال: تقاليدنا فى الريف
وخاصة فى الصعيد تمنع علينا أن نحرج ضيوفنا وقد كان الدكتور طه حسين ضيفا شبه مقيم
فى دارنا كذلك من الواجبات علينا الا يكذب منا الصغير كبارنا حين يتحدثون ومن اجل
ذلك لزمت الصمت وتحملت ما تحملت بسبب هذا الكتاب الذى لم اخط فيه حرفا من كلمة ولا
كلمة من جملة وحبستنى التقاليد عن ذكر الحقيقة وبيإنةا للناس لأن هذا سيثير فضيحة
كبرى للدكتور طه حسين تحملتها عنه وانا برىء من هذا الكتاب كل البراءة وكتمت هذه
الحقيقة فى صدرى ولم اذكرها الا لك.
ويضيف الزميل الفاضل
عبد اللطيف فايد قوله: "هى شهادة نتفق تماما مع ما اعلنه المرحوم على عبد
الرازق من تنازله عن الافكار التى تضمنها هذا الكتاب وبراءته منها والغائها من
معارفه هى شهادة للحق والتاريخ". ونحن هنا لا نملك سوى أن نصدق شهادة فضيلة
الشيخ احمد حسن مسلم ولكن لا نملك أن نناقش ما قاله فضيلة الشيخ على عبد الرازق
لأن ما قاله يتناقض مع اقواله وافعاله المثبتة منذ عام 1925 وقبل مناقشة اقوال
الشيخ على عبد الرازق. ونشير إلى أن شهادة فضيلة الشيخ احمد حسن مسلم سبق نشرها فى
صحيفة الوفد بتاريخ 28 نوفمبر عام 1989 فى تحقيق للزميل عماد الغزالى وتحت عنوان
قضية للمناقشة. الحلقة الاخيرة كانت الحلقة الرابعة هل تراجع الشيخ على عبد الرازق
عما جاء فى كتاب "الإسلام واصول الحكم" وعنوان فرعى.. الشيخ مسلم :طه
حسين هو المؤلف الحقيقى للكتاب.
ولا ادرى هل اعلن
فضيلة الشيخ مسلم عن شهادته قبل هذا التاريخ، واذا كان لم يعلنها فلماذا لم يحدث
منذ عام 1942؟ وحتى بعد وفاة الشيخ على عبد الرازق عام 1966
وقد قال الشيخ على
عبد الرازق فى حديثه للشيخ مسلم : "ومن الواجبات علينا الا يكذب الصغير
كبارنا حين يتحدثون ومن اجل ذلك لزمت الصمت".
على عبد الرازق
مواليد 1887 وطه حسين 1889 فمن هو الأكبر؟
ومن المعروف أن الشيخ عبد الرازق من مواليد 1887
وأن الدكتور طه حسين من مواليد عام 1889 والحقيقة إنة لم تثر قضية تاليف طه حسين
لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" فى حدود علمى الا فى 28 نوفمبر 1989 وإن
اثير قبل ذلك أن الشيخ على ليس مؤلفا لكتابه.
شهادات أخرى
ففى كتاب
"الإسلام والخلافة" فى العصر الحديث نقد كتاب "الإسلام وأصول
الحكم" للدكتور محمد ضياء الدين الريس -الطبعة الثانية -دار التراث 1977، ولم
نعرف حتى صدرت الطبعة الأولى إذ جاء مقدمة الطبعة الثانية وهى مقال نشر فى مجلة
الاذاعة والتليفزيون- 8 مايو 1976 - أن الكتاب طبع فى لبنان ونشر فى السعوديه ولم
ينتشر بعد فى مصر والكتـاب ملىء بالاتهامات والادانة للشيـخ على عبد الرازق بل
ولكل من اشاد بالكتاب أما النقطة التى تهمنا فجاءت فى الفصل العاشر من الكتاب تحت
عنوان: من هو المؤلف ؟
ويقول الدكتور ضياء
الريس : "بينما كنت أقرأ كتاب الشيخ محمد بخيت الذى كان مفتى الديار المصرية
والذى رد به على الشيخ على عبد الرازق عثرت على جملة استوقفتنى طويلا "وكانت
هذه الجملة كإنةا العلامة التى تشير إلى الطريق أو الخيط الذى يمسك به المحقق
ويسير معه لكى يصل به إلى الحقيقة وهذه الجملة هى :
ففى صفحة 237 من كتاب
"حقيقة الإسلام واصول الحكم" يقول المؤلف وهو المفتى ما ياتى :
"لإنة علمنا من
كثيرين ممن يترددون على المؤلف أن الكتاب ليس له فيه الا وضع اسمه عليه فقط فهو
منسوب اليه فقط ليجعله واضعوه من غير المسلمين ضحية هذا العار وألبسوه ثوب الخزى
والعار إلى يوم القيامة)
ويستنتج الدكتور
الريس أن هذا الشخص انجليزيا، ثم قال"" ويغلب على الظن أن يكون هو"
المستر مرجيليوث اليهودى" الذى كان استاذا للغة العربية فى بريطانيا، ثم
يقول: ومعروف أن الشيخ على ذهب إلى بريطانيا وبقى بها نحو عامين فلابد إنة كان
متصلا بالمستر مرجيليوث أو تتلمذ عليه فإن لم يكن مرجيليوث نفسه فأحد أعوإنة أو
أحد المستشرقين الآخرين مثل توماس ارنولد الذى يشير اليه الشيخ أو الكتاب فى غير
موضع ويصفه بالعلامة والذى آلف كتابا عن الخلافة هاجم فيها الخلافة بوجه عام
والعثمانية بوجه خاص".
ويرى الدكتور الريس
أن الشيخ على اخذ الكتاب فترجمه إلى اللغة العربية أو اصلح لغته إن كان بالعربية
واضاف اليه بعض الاشعار والآيات القرآنية التى تبدو إنةا لم تكن فى اصل الكتاب
وبعض الهوامش والفقرات واخرجه للناس على إنة كتاب من تاليفه ظنا منه إنة يكسب شهرة
ويظهره كباحث علمى،وننتقل إلى مستوى أخر فى نقد كتاب الشيخ على عبد الرازق وهو نقد
مشروع يختلف تماما عما سبق، فيقول الدكتور محمد محمد حسين فى كتابه
"الاتجاهات الوطنيه فى الادب المعاصر " الجزء الثانى مكتبة الآداب 1956
"الإسلام واصول الحكم" وكان هذا اخطر ما ظهر فيما كتب عن الخلافة مما
كان صدى لما تلا الحرب من تطورات فى تركيا ولا ترجع خطورته فى البحث، فالكتاب
يمتاز بجمال اسلوبه اكثر من امتيازه بالتزامه بالمنهج العلمى فهو يعتمد على
المستشرقين فيما لا يوثق بهم فيه" ويقول فى الهامش: إن المؤلف اعتمد على سير
توماس ارنولد كما اشار الدكتور محمد حسين إلى تأثر الشيخ على عبد الرازق فى كتابة
بكتاب "الخلافة وسلطة الامه" والذى نقله عن التركية عبد الغنى سنى،
الكتاب اصدرته حكومة الكماليين نسبة إلى مصطفى كمال اتاتورك
ويشير الدكتور محمد
الدسوقى فى كتابه طه حسين يتحدث عن اعلام عصره سلسلة أقرأ 1992 إلى علاقة طه حسين
بالشيخ على ويقول : وكان فى عدد آخر ساعة الصادر بتاريخ 17/11/1970 دراسة عن كتاب
"الإسلام وأصول الحكم" وبعد أن قرأت عليه الدراسة وكان فيه اشارة إلى
مقال كتبه الدكتور طه حسين فى السياسة بعد صدور الحكم ضد الشيخ على عبد الرازق
فقال : لقد كتبت مقالين فى السياسة عن هذا الموضوع وهاجمت شيوخ الازهر لتجريدهم
الشيخ على عبد الرازق من درجة العالمية وابعاده من القضاء الشرعى، وخاصمت بعض
هولاء مع اعترافى بفضلهم على مثل الشيخ سيد المرصفى بسبب اشتراكه فى محاكمة الشيخ
على .
وقلت للعميد : هل تقر
ما قاله الشيخ على عبد الرازق فى هذا الموضوع الخطير (الخلافة) فقال : هذا رأيه
وما كان يجب محاكمته بسببه، والواقع أن الملك كان وراء محاكمة الشيخ على كما كان
من وراء ما اثير حول كتاب الشعر الجاهلى على انى قرأت اصول كتاب الشيخ على قبل
طبعه ثلاث مرات وعدلت فيه كثيرا ونعود إلى ما قاله الشيخ على للشيخ مسلم من أن طه
حسين فاجأه بالكتاب مطبوعا يحمل اسمه وانداء نقول هناك اطرافا أخرى فمن الذى املى
عليه طه حسين الكتاب ومن الذى ذهب إلى المطبعه؟
ويشير الدكتور محمد
عماره فى كتابه معركة الإسلام وأصول الحكمطبعة دار الشروق الأولى 1989 فى حديثه عن
كتاب الشيخ على عبد الرازق" الإسلام وأصول الحكم" بحث فى الخلافة
والحكومة فى الإسلام إلى أن الكتاب طبع طبعتين طبعه مؤلفه طبعتين فى سنة
1925" فإذا كان الدكتور طه حسين طبع الأولى فمن الذى طبع الثانية "؟
والاهم من ذلك إذا
كان الشيخ على فؤجىء بالكتاب مطبوعا- ابريل 1925- فكيف جاءت اليه المعرفة الحقيقية
بكل سطر فى الكتاب الامر الذى يتضح من خلال المحاكمة والمذكره التى قدمها بل نجد
فى مقدمة الكتاب ما يؤكد أن الشيخ على مؤلف الكتاب ونحن لم نشك لحظة إنة مؤلفه-
يقول : وليت القضاء بمحاكم مصر الشرعية منذ ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة والف هجرية
1915، فحفزنى ذلك إلى البحث عن تاريخ القضاء الشرعى والقضاء بجميع انواعه فرع من
فروع الحكومه وتاريخه ويتصل بتاريخها اتصالا وكذلك القضاء الشرعى ركن من اركان
الحكومة الاسلامية وشعبه من شعبها فلابد حينئذ لمن يدرس تاريخ ذلك القضاء أن يبدأ
بدراسة ركنه الأول اعنى الحكومة فى الإسلام، وأساس كل حكم فى الإسلام هو الخلافة
والإمامه العظمى على ما يقولون - فكان لابد من بحثها شرعت فى بحث ذلك كله منذ بضع
سنين ولا ازال بعد عند مراحل البحث الأول ولم اظفر بعد هذا الجهد الا بهذه الورقات
اقدمها على استحياء إلى من يعنيهم ذلك الموضوع ويختتم المقدمة بامضاء وبجوارها
المنصورة فى يوم الاربعاء الموافق 7 رمضان 1342 هـ اول ابريل سنة 1925 م .
مقدمة منطقية ومقنعة
تجاوب على سؤال لماذا كان الكتاب إلى جانب تواضعه وهو تواضع المفكرين والعلماء .
وتؤكد الوثائق
والمصادر التاريخية ومعظم الكتب التى تناولت قضية الخلافة وكتاب الشيخ على عبد
الرازق أن الملك فؤاد كان يسعى للخلافة وإنة اوعز لعلماء الازهر لعقد المؤتمر الذى
أجل حتى عقد عام 1926 لمناقشة الخلافة وكان قد اعلن الشريف حسين بن على خليفة وان
البعد السياسى لصدور الكتاب شديد الوضوح .
وكان الكاتب الكبير
احمد بهاء الدين شفاه الله أول من اشار إلى الظروف السياسية والملابسات التى ظهر
فيها كتاب الشيخ على عبد الرازق فى حدود علمى وكان ذلك فى كتابه (أيام لها تاريخ)
ابريل 1954 .
ويقول الاستاذ بهاء(
فى تلك السنة 1925 سنة ظهور الكتاب كان الدستور معطلا وسعد زغلول مبعدا عن الحكم
وكان الملك فؤاد يحكم مصر حكما استبداديا بواسطة وزارة من حزبى الاتحاد والاحرار
الدستوريين يراسهما احمد زيور وفى تلك السنوات سقطت الخلافة الاسلامية فى تركيا
والتقط الانجليز فكرة الخلافة نعم لماذا لا ينشئون هم خلافة إسلامية جديدة تنمو فى
رعايتهم فلماذا لا يعززون استعمارهم بالخلافة الإسلامية وسمع الملك فؤاد هذه القصه
فبدأ يحلم بها وان لم يطلق لحيته كما صنع فاروق من بعد (روادت الملك المعزول فاروق
فكرة الخلافة فى الاربعينيات) وأدرك القصة أيضاً الاذناب وتجار الدين فبدأوا يبثون
الدعوة للخلافة الجديدة والمدركون لهذه المؤامرة لا يتكلمون ولكن الشيخ الشاب قاضى
محكمة المنصورة الشرعية زين له شبابه وتحرره أن يقف ضد هذا كله وإن يعكف على البحث
بضع سنين ثم يخرج على الناس بكتاب صغير اسمه "الإسلام وأصول الحكم"
فيكون له دوى القنبلة ويكون من شإنة أن يسقط وزارة ويفض ائتلافا ويحول السياسة
المصرية تيارا خطيرا.
ويشير الدكتور محمد
عماره فى كتابه "الإسلام وأصول الحكم" لعلى عبد الرازق المؤسسة العربية
للدراسات والنشر 1972 بيروت إلى إنة من الاحداث المعروفة والشهيرة بمصر فى ذلك
التاريخ 1924 ذلك المؤتمر الدائم الذى اقيم بإسم " المؤتمر الإسلامى
العالمى" للخلافة والذى اصدر مجلة الخلافة الإسلامية كان العرش المصرى والملك
فؤاد واقفين خلف اغلب هذا النشاط الذى تجاوز العاصمة إلى المدن والمراكز وكثير من
قرى مصر فى اعماق الريف.
وعن المعركه
التىاثارها الكتاب يقول الدكتور محمد عمارة نفس الكتاب جاء سهما مصوبا ضد العرش
المصرى والملك فؤاد على وجه الخصوص وذلك فى وقت كان فيه هذا الملك يجرب طغيان
العرش وجبروت النظام الملكى وفردية الاستئثار بالسلطة ضد دستور 1923 وضد حزب الوفد
وزعيمه سعد زغلول باشا وضد مجلس النواب الذى انتخب فى 24 فبراير سنة 1925 وفاز فيه
الوفد بأغلبية ساحقة رغم الضغط والتزوير .
فأصدر الملك فؤاد
قراراً بحله فى نفس اليوم الذى افتتحه فيه والكتاب يتحدث عن العرش والتاج ويستخدم
افعال المضارعة التى تجعل المعنى اكثر انصرافا إلى الحال والمستقبل لا إلى التاريخ
الإسلامى القديم ثم يتقدم خطوة ابعد من مجرد تصوير طغيان العرش وتناقضه الدائم مع
القيم التى يعشقها الإنسان فيقرر إنة لا خيار امام الإنسان الحر وإنة لابد له من
رفض الخضوع للنظام الملكى طالما كان فى استطاعته وامكإنة ازاحة نير القوة الغاشمة
وزحزحة السيف القاهر عن الرقاب
ويقول الدكتور عمارة:
وكأنما كان الرجل يقرأ صفحة الغيب التى سجلت استقبال الملك فؤاد وانصاره لكتابه
هذا فكتب فى صلب الموضوع يقول: إن الغيرة على الملك تحمل الملك على أن يصون عرشه
من كل شىء قد يزلزل اركإنة أو يقلل من قدسيته لذلك كان طبيعيا أن يتخيل الملك وحشا
سفاحا وشيطانا ماردا إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته وإنة لطبيعى كذلك فى
الملك أن يكون عدوا لكل بحث ولو كان عمليا، يتخيل إنة قد يمس قواعد ملكه وقد جاء
نص محاكمة الشيخ على فى هذا الكتاب المشار اليه للدكتور عمارة كما جاءت أيضاً
المحاكمة فى كتاب أصول الحكم تاريخ مصر بالوثائق البريطانية والامريكية للكاتب
الكبير محسن محمد 1980 دار المعارف.
الجمهورية (27 مايو
1993)
الإسلام وأصول الحكم
بين طه حسين وعلى عبد الرازق
لماذا تأخر اعلان
شهادة نسبه الكتاب إلى طه حسين ؟
الشيخ عبد المجيد
سليم وقع فى مأزق مماثل وتحمل تبعته فى شجاعة.
مطلوب دراسة دقيقه
لكتابى الشعر الجاهلى والإسلام وأصول الحكم.
المفأجاه التى فجرها
الشيخ احمد حسن مسلم عضو مجمع البحوث الإسلامية بشهادته فيما أسر له به الشيخ على
عبد الرازق من أن المؤلف الحقيقى لكتاب الإسلام وأصول الحكم هو الدكتور طه حسين
هذه الشهادة المفأجاة احدثت ردود فعل واسعة فى كل الاوساط الادبية وقعت وقع
الصاعقه على الكثيرين الذين ينصبون من انفسهم مدافعين عن الدكتور طه حسين، وقابلها
البعض بارتياح شديد وان كان اخرون ينظرون اليها بعين البحث والتمحيص، وإن كان احد
لا يستطيع التشكيك فى صحة الشهادة وذمة قائلها بل كلهم يدافع عنهم صدقا وامانة
علمية خاصة وإنة عالم فاضل مشهود له بالتقى والورع وإنة لا توجد له مآرب قريبة أو
بعيده من وراء ذه الشهاده التى حمل نفسه مسئوليتها امام الله على اية حال هناك
اسئلة كثيرة وكثيرة فجرتها طبيعة الموقف ووقع المفأجاة على الكثيرين حملتها
الجمهورية إلى الرجل صاحب المفأجاة الشيخ أحمد حسن مسلم كما التقت الجمهورية وعدد
من كبار العلماء والمفكرين فى هذا الصدد.
اللقاء الأول وفضيلة
الشيخ أحمد حسن مسلم وكان طبيعيا أن يكون السؤال الأول اليه:
الشهادة .. وتأخرها
لماذا تأخرت الشهادة
كل هذه الفترة الطويلة؟
قال الشيخ مسلم : هذا
الامر حدث وانا فى مطلع حياتى فى وظائف الدولة فيما بين عامى 1942 و 1948 حيث عينت
واعظا فى بنى نزار واتذكر يومها انى كنت القى محاضرة فى قرية "المودة"
بجوار قرية ابو جرج وهى بلدة الشيخ على عبد الرازق وخرجت بعد صلاة العصر، وكان يوم
خميس، قاصدا بنى مزار الا اننى لم ادرك الاتوبيس الاخير فذهبت إلى الشيخ على عبد
الرازق فى منزله بقرية ابو جرج المجاورة عسى أن اجد لديه ما انتقل به إلى بنى مزار
وحضرت صلاة المغرب فصليناها فى جماعة وبعد الصلاة وجدته يصلى ست ركعات سنه بعد
المغرب اطال فيها القراءة والركوع والسجود واضطرنى الموقف أن اساله : كيف يكون
حرصك على اداء السنة بهذه الطريقة وأنت مؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم وهو كتاب
علية كثير من المآخذ التى تقدح فى العقيدة.
فسكت الشيخ على عبد
الرازق قليلا وقال لى – اى الشيخ مسلم – وهل انا الذى الفت هذا الكتاب ؟ انما الفه
د. طه حسين!!
فسآلته ولماذا نسبه
اليك ؟
فقال الشيخ على عبد
الرازق :
لقد فاجأنى بالكتاب
وعليه اسمى ولما سالته عن سبب ذلك اجاب الدكتور طه حسين مازحا: لكى تكون لك شهرة
عالمية وذلك بعد أن تنقل عنك وسائل الاعلام الاجنبية والعالمية وتتحدث عن هذا
الكتاب وما به من فكر.!!
التقاليـد
قلت للشيخ مسلم:
ولماذا لم يعترف الشيخ على عبد الرازق بالحقيقة بعدما تعرض لهجوم عنيف وصل إلى حد
التكفير وسحب الشهادة العالمية منه؟
قال الشيخ مسلم: إن
الشيخ على عبد الرازق اوضح له أن السبب فى كتمإنة للامر كما قال له أن اخلاقه ابت
عليه أن يرفع قضية على صديق لدى عائلة عبد الرازق كما أن تقاليد العائله تمنع من
احراج الضيف أو وضعه فى موقف غير كريم.
لعدم الاحراج
سالت : ولماذا لم
تصرح فضيلتك بهذه الشهاده منذ فترة طويلة خاصة وان الرجل تعرض لهجمات شرسة وعنيفة
قبل أن يرد له اعتبارة؟
اجاب الشيخ مسلم : لم
استطع الادلاء بهذه الشهادة لعدة اسباب فى مقدمتها: أن الشيخ على عبد الرازق كان
موجودا على قيد الحياه وكذلك. طه حسين أيضاً ولم يفصح الشيخ على عبد الرازق عن ذلك
وكانت علاقتة وطيدة به وبالتالى أثرت ألا احرجه فيما اراد السكوت عنه.
وفى اثناء اشتداد
الحملة على الشيخ على عبد الرازق لم يكن وضعى الاجتماعى أو الوظيفى يسمح لى بأن
اتحمل تبعات ماقد يثار ضدى بسبب ادلائى بهذه الشهادة.
وبعد ذلك هدأت الامور
تماما ولم تكن هناك مناسبة لاثارة القضية حتى ابوح بهذه الشهادة التى كان لها
تأثيرها فى الفكر الإسلامى المعاصر وجاء بينها فيما ذكره اعضاء المجمع كتاب"
الإسلام وأصول الحكم "فطلبت من الاعضاء تسجيل شهادتى وهى شهادة يحاسبنى عليها
الله سبحإنة وتعالى .
قلت الم يكن الامر
متعمدا للادلاء بهذه الشهادة فى هذا الوقت؟
قال الشيخ مسلم :
مطلقا والمسالة كلها واقعه حال لمناسبة ورد فيها الحديث عن اسم الكتاب ومؤلفه فقط.
اسئله لابد منها
هذه الشهاده المفاجأه من الشيخ احمد حسن مسلم
كانت شديدة الوقع على الدكتور
على عبد الصبور مرزوق
الامين العام للمجلس الاعلى للشئون الإسلامية يقول القضية فى غاية الخطورة وتؤكد
على مجموعة من الامور الجديرة بالدراسة.
لماذا لجأ د. طه حسين
لهذا الاسلوب فى الوقت الذى تجرأ كثيراً فيه وقال ما قال فى كتابه الشعر الجاهلى؟
وهل كان يخشى من الحملة التى كان ينظرها فى هذا الصدد إذا ما اصدر هذا الكتاب
باسمه صراحة ؟.
واذا سلمنا بصدق
رواية الشيخ حسن مسلم وهو رجل وعالم فاضل صادق ولا يمكن أن يكون محل ريبة وتبريرات
الشيخ على عبد الرازق فيما فعله د. طه حسين، فان طه حسين كان يعلم سالفا بإنة يكتب
امورا مخالفة للتيار الإسلامى الصحيح: مسلمين وعلماء وأمة وأن هذا سيكون له أثره
على المستوى الداخلى والعالمى وهذا يطرح سؤالا مهما : هل كان على علاقة بهذه
المؤسسات التى تعمل على د.طه حسين يرتب عليها لهذا الاستقبال العالمى؟
وهل كان هز المسلمات
الإسلامية من الجذور ؟ مما يطرح علامات استفهام حول استقلالية فكر طه حسين
والتوجهات التى كانت تحكمه وتقف وراءه؟!
ويضيف د. عمر عبد
الصبور مرزوق أن سكوت الشيخ على عبد الرازق يحتاج إلى تفسير وهل هى مجرد شهامة
للعائلة وعدم خذلان الضيف.. إذا كانت هذه هى الدوافع فكيف تصل الامور إلى التكفير
والتشكيك فى الإسلام وسحب الشهادة العالمية .. واذا كان الشيخ على عبد الرازق قد
تراجع عن ارائه هذه كما هو معروف وكما نشر بالجمهورية يوم الجمعة الماضى فلماذا لم
يقل الحقيقة فى هذه اللحظة؟
قضية التقاليد
والالتزام بها ومدى تاثيرها على الإنسان وخاصة فى مثل هذه القضية كانت محل جدل
ومناقشة يعلق عليها الدكتور عبد الرحمن العدوى الاستاذ بجامعة الازهر قائلا:
أحياناً ما تسيطر التقاليد على الإنسان وتأخذه الشجاعة الادبيـة والشهـامة ليتحمل
فى سبيـلها ما يحـدث ،وفى موضـوع الشيـخ على عبد الرازق نجد أن التطورات التى حدثت
منعته أن يقول الحقيقة ويرتضى السكون وعواقبة المزعجة.
ويضرب د. العدوى
مثالا مشابها بذلك وهو ما حدث مع الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الازهر عقب قيام
الثورة بثلاثة أشهر أو أربعة فقد تم تدبير مؤامره للاثاره ضد شيخ الازهر ونظمت
مظاهرة واتجه المتظاهرون لمقابلة الاستاذ فتحى رضوان وزير الدوله حينئذ وحضرت هذه
المقابلة بنفسى فوجدت من يتكلمون أمام فتحى رضوان يقولون بأن هذا الرجل- اى الشيخ
عبد المجيد سليم -اساء للإسلام والمسلمين لإنة هنا (انطون بوللى) بشفائه من المرض
وهو فى خدمة الملك فاروق.
يقول د. العدوى : كان
بوللى مكروها عند الشعب ولما اخبرت شيخ الازهر بذلك فقال : أن بوللى كان قد ارسل
إلى برقية يستفسر فيها عن صحتى ابان مرضى ثم هنانى بالشفاء عقب عودتى للعمل ببرقية
مماثلة وعندما مرض بوللى قام مدير مكتبى محمود السيد بارسال برقيه للاستفسار عن
صحته وهو اجراء مكتبى بحت رآه مدير المكتب رد جميل السؤال السابق والتهنئة وعندما
كتبت الصحف بأن الشيخ عبد المجيد هنأ بوللى وجدت أن الشجاعة الادبية تحتم على الا
اقول إن مدير المكتب هو الذى قام بارسال البرقية كاجراء مكتبى وقلت اننى انا مرسل
البرقية.
خبراء النقد
لكن القضية قد تأخذ
وجهاً آخر عن أساتذة الادب والنقد الادبى وقد يكون هناك ملحظ على عملية التقاليد
عند علماء الدين.
الدكتور محمد محمد
ابو موسى استاذ البلاغة والنقد الادبى بكلية اللغة العربية بجامعة الازهر يرى أن
شهادة الشيخ مسلم لا يجوز تجريحها لإنةا صادره عن عالم فاضل مشهود له بالصدق
والامانة لكننا حينما نعرض للظاهرة الاسلوبية عند الدكتور طه حسين لا تجدها تنطبق
على كتاب الإسلام وأصول الفكر الذى كتب باسلـوب فقهى وعند مقارنته بما قد يكون من آثار
علمية مكتوبة لدى الشيـخ على عبد الرازق فإننا نجد له آثاراً يمكن مقارنتها مع
كتاب الإسلام وأصول الحكم لإنة لم تعرف عنه طريقة اسلوبية فى الكتابة وهذا يجعل
مهمة الناقد الادبى ميسورة فى نفى هذا الكتاب عن الشيخ على عبد الرازق مع إنة فى
رأيى أن الحقائق العلمية اكبر من التقاليد.
لكن تبقى نسبة كتاب
الإسلام وأصول الحكم إلى الدكتور طه حسين محل بحث .
الدكتور رمضان عبد
التواب استاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة عين شمس يقول : إن دراسة الخصائص
الاسلوبية للأديب تكشف الاصالة والاصطناع فيما ينسب اليه فقد تكون الخصائص
الاسلوبية لأديب ما معروفة واضحة كما هى فى اسلوب الدكتور طه حسين ويعرفها العام
والخاص فإن الاصطناع يخفيها تماما لكن الناقد الادبى عند الدراسة يستطيع الكشف عما
قد يفوت الكاتب عند الاصطناع فالاصطناع ليس غريبا على الاساليب الادبية.
يؤيده فى هذا الدكتور
محمد ابو موسى مؤكدا إنة يمكن الاستئناس بالناحية الاسلوبية فى هذا الجانب يقول
واذا قام العلماء بنقد الكتاب ولغته ومعرفة منهجه وطريقته فإن ذلك سيهدى إلى بيان
الحقيقه التى قد تظهر فى الاسلوب متخفية بين العبارات المصطنعه.
ويضيف : لقد انتهيت
قريبا من قراءة كتاب الإسلام وأصول الحكم ولغة الكتاب لغة فقهية محددة وليست ادبية
كالمعهودة عند طه حسين.
سطوة التقاليد
ويؤكد الدكتور محمود
ابو زيد أن التقاليد والاعراف الاجتماعية أحياناً ما يكون لها
سطوتها على سلوكيات
الافراد وقد يخضع الإنسان لها الا إنة يستدرك قائلا : واذا كان للتقاليد سطوه على
الرجل العادى فإن العالم بالدين يجب أن يكون على وعى باضرار التقاليد وخطورة
التمسك ببعضها فى كثير من الاوقات والانسان المثقف لا يخضع خضوعا للتقاليد بهذا
الشكل وهو ما يصف موقف الشيخ على عبد الرازق بالخطأ
ويضيف الدكتور محمود
ابو زيد : إن الكتاب يعتبر بصمة للانسان مثل بصمة الاصابع ونبرات الصوت والكاتب المتميز صاحب الشخصية المفكرة المبدعة
من الصعب محاكاته بدقه مهما بلغت درجة الدقة فى تقمص الشخصية.
وهنا يقترح الدكتور
عبد الصبور مرزوق ضرورة اجراء دراسة مفصلة يراجع فيها كتابا: الشعر الجاهلى والإسلام
وأصول الحكم ويعاد النظر جيدا فى الفكر والاسلوب لعلنا نصل إلى نتيجة مرضية .
وتبقى القضية قائمة.
(الجمهورية
28/5/1993)
الشيخ على عبد الرازق
.. المفكر الذى ظلم حيا وميتا.
نتابع اليوم ما سبق
أن نشرناه بجولة الكتب الخميس الماضى عن كتاب "الإسلام وأصول الحكم
"للشيخ على عبد الرازق على ضوء شهادة فضيلة الشيخ احمد حسن مسلم التى قال
فيها إن الشيخ على عبد الرازق أسر اليه عام 1941 بإنة ليس مؤلف الكتاب وان مؤلفه
الحقيقى هو د. طه حسين واشرنا إلى إنةا نشرت من قبل فى 28 نوفمبر عام 1989
وتساءلنا وما زلنا نتساءل لماذا كتم الشيخ مسلم شهادته منذ عام 1942؟
وعرضنا للآراء
المختلفة التى تناولت الكتاب والظروف السياسية والملابسات التى ظهر فيها الكتاب
واعتبره البعض موجها ضد الملك فؤاد واستبداده وعبثه بالدستور ومحاولته تنصيب نفسه
خليفة للمسلمين بعد أن الغيت الخلافة فى تركيا مع أن الشيخ على يؤكد أن كتابه بعيد
عن السياسة ويقول : إنى رجل دين ورجل شريعة ولم يحملنى على وضع كتابى الا غاية
علمية وقد كتبته بعيدا عن كل الاهواء السياسية بل ليست لموضوع الكتاب علاقة
بالسياسة فهو لم يتعد حدود العلم الخالص.
وتابعنا محاكمة الشيخ
على التى نشرت فى جريدة السياسة اليومية فى العدد 8 فى 13 اغسطس 1925 من خلال ما
جاء فى كتاب الدكتور محمد عمارة "الإسلام وأصول الحكم "وكتاب الاستاذ
محسن محمد أصول الحكم وكذلك موقف الشيخ على فى المحاكمة والمذكرة التى فند فيها
الاتهامات التى وجهت له وما نشره من مقالات سياسية فى جريدة السياسة حول الكتاب
والمحاكمة وما اجرى معه من أحاديث مما يؤكد إنة مؤلف الكتاب .
وكان كتاب الإسلام
وأصول الحكم أحد المعارك الفكرية على الساحة العربية فوقفت معظم الاحزاب السياسية
مع الكتاب ودافعت عن حرية الراى وحرية الفكر خاصة حزب الاحرار الدستوريين وكتابه
الذين حملوا عبء الدفاع عن حرية الرأى والدفاع عن الشيخ على وقد ساهم كتاب هذا
الحزب فى تطور الفكر المصرى وان جاء تناقض موقفهم فى ممارستهم السياسية وهذا موضوع
اخر.
كما
وقف كتاب حزب الوفد حزب الاغلبية إلى جانب الرجل وكتابه رغم اختلاف موقفهم مع الزعيم
سعد زغلول الذى كان يرى رأيا أخر ليس فى صالح الكتاب وهب الكتاب يدافعون عن حرية
الرأى وكذلك المجلات الثقافية المقتطف – الهلال
-الصواب التونسية.
وهكذا وجد تيار
ليبرالى كامل على امتداد العالم العربى والإسلامى وقف موقف المناصرة والتأييد
لتقنية هذا الكتاب باعتباره أولاً وقبل كل شىء قضية حرية التفكير والتعبير بصرف
النظر عن مدى الصواب والخطأ فى هذا الاجتهاد والذى قدمه صاحب الكتاب طبقاً لما جاء
فى كتاب الدكتور محمد عمارة والذى يرى أنة لم يكن على عبد الرازق سوى امتداد متطور
للشيخ محمد عبده فى الاصلاح الدينى، بل إن آراءه فى موضوع الخلافة قد كانت فى عدد
من نقاطها الجوهرية تفصيلا وبلورة وتطويرا لآراء الاستاذ الامام فى ذات الموضوع.
ويعلق الشيخ على حكم
هيئة كبار العلماء بقوله:
"إذا نحن سمينا
ذلك الرآى الذى ابداه حضرات كبار العلماء كما سموهم حكم هيئة كبار العلماء فلسنا
نريد بذلك أن نعترف لتلك الهيبة بأن لها حقا شرعياً أو قانونياً فى أن تقوم منا
مقام الحاكم وتصدر علينا ذلك الحكم، لقد قلنا وما زلنا نقول : إن حضراتهم لا
يملكون ذلك الحق قانوناً .
ويقول الشيخ على:
كانت التهمة التى اعلنا بها وطلبنا للمحاكمة من اجلها : أن كتابنا اشتمل على اشياء
لا تصدر عن مسلم فضلا عن عالم وتلك تهمة شنيعة ترمينا بسهم ذى شعبتين فهى ترمى إلى
اخراجنا من زمرة العلماء أولاً ولعل ذلك قد يهون وترمى إلى إخراجنا والعياذ بالله
من عداد المسلمين .
ثانيا: وتلك التى لا
ترضى بها ولا تبيحها لاحد كنا وجلين نعجب بالقوم يتهمونا فى ديننا ويحاولون أن
يعتدوا علينا فيه ولكنا نخاف منهم أن ينزعوا من قلبنا ايمإنة ولا من نفسنا يقينا
ولا أن يخرجونا بحق ديننا الذين ندين الله به ولكنا خفنا أن يتورطوا حتى يزعموا
إنةم حكام على القلوب حراس على العقائد وان بيدهم مفاتيح هذا الدين يدخلون فى
حظيرته من يشاءون كنا وجلين نعجب لهم كيف يتهموننا فى ديننا.
وما هم بأحسن منا
دينا ولا اقوى بالله يقينا ومن لهم بالحكم فى ايماننا والتعرض لاسلامنا ؟
لقد حمدنا الله لنا
وللقوم حين قرأنا اسباب حكم هيئة كبار العلماء فوجدناهم تراجعوا عن اتهامنا بشىء
"لا يصدر عن مسلم" وقصروا بحثهم عن زمرة العلماء وما يناسبها لا جرم
اننا تقبلنا مسرورين اخراجنا من زمرة العلماء وقلنا كما يقول القوم الذين إذا
خلصوا من الاذى "الحمد لله الذى اذهب عنا الاذى وعافانا"
وقد قامت هيئة كبار
العلماء برد اعتبار الشيخ على عبد الرازق عام 1947 وقت أن رشح ليكون وزيراً
للاوقاف، ونتساءل كيف كانت علاقة العلماء بوزير الاوقاف على عبد الرازق خلال عامى
1948,47 .
والغريب اننا ما زلنا
نقرأ لبعض العلماء والكتاب أن الشيخ على تراجع عن افكاره (فأى افكار تراجع عنها ؟
وماذا كان الحكم عليه عام 1925 سوى انهم جردوه من العالمية واخرجوه من زمرة
العلماء ثم اعادوه بالتماسهم للملك فاروق، فاى مجال لافكار الرجل هنا؟ ومن الذى
تراجع ؟
وعن نتائج معركة كتاب
"الإسلام وأصول الحكم" يقول الدكتور محمد عمارة فى كتابه "الإسلام
وأصول الحكم" أن الذين وقفوا إلى جانب القصر ضد هذا الكتاب قد جعلتهم حركة
التاريخ هذه يسلكون احد طريقين إما الاعتصام بالصمت وسحب اذيال النسيان على
مواقفهم المناصرة لتنصيب الملك فؤاد خليفة على المسلمين وإما القيام بتصحيح موقفهم
ذلك من هذا الكتاب أو من صاحبه على الاقل وهو موقف شجاع يحمد لهم على اى حال ،ومن
المؤسسات التى قامت بتصحيح موقفها من هذه الحقيقه (الأزهر) عندما اعاد إلى الشيخ
على عبد الرازق موقفه العلمى ورد اليه شرف الانتساب إلى زمرة العلماء فهل بعد
متابعة الاحداث والوقائع من خلال المصادر المنشورة ومن خلال اعمال المنطق والعقل
نستطيع أن نقول إن على عبد الرازق ليس مؤلف هذا الكتاب وإن مؤلفه طه حسين.
كما اننا نعرف أن
الكتاب طبع ثلاث طبعات عام 1925 فمن الذى طبعها ؟ ثم طبع بعد ذلك عام 1966 فى
بيروت وعام 1971 بالقاهرة فى مجلة الطليعة وعام 1973 فى بيروت مرة أخرى وفى الشهر
الماضى طبع فى هيئة الكتاب فى سلسلة المواجهة التنوير.
واذا افترضنا جدلا أن
مؤلف الكتاب طه حسين وانه تسبب فيما حدث للشيخ على عبد الرازق وما اصابه وما تحمله
فكيف نفسر موقف الشيخ على عبد الرازق وصداقته التى استمرت مع الدكتور طه حسين بل
اكثر من هذا عندما توفى الشيخ مصطفى عبد الرازق عام 1946 وجمع الشيخ على بعضا من
اثار اخيه ونشرها بعنوان (من اثار الشيخ مصطفى عبد الرازق ) فإن الذى قدمها كان
الدكتور طه حسين فكيف حدث هذا وكيف اختار الشيخ على...طه حسين أن يكتب
المقدمة؟
كما أن الوقائع تؤكد
أن الشيخ على لم يرفض اعادة طبع كتابه لكن بعيد عنه فالرجل فى الستينيات لم يعد
يحتمل ما واجهه فىالعشرينات بل وشرع فى كتابة مقدمة للطبعة الجديدة ولكن هذا لم
يتم وتتابع وقائع واحداث معركة كتاب أصول الحكم.
وكنا قد توقفنا عند
الاشارة إلى كتاب أصول الحكم تاريخ مصر بالوثائق البريطانية للكاتب الكبير محسن
محمد . 1980 دار المعارف
(الجمهورية 3/6/1993)
شهادة الشيخ مسلـم .. قديمــة!
وما دار فى المحاكمة
يؤكد أن الكتاب من تأليف الرجل الذى يناقش ويكتب مذكرة ويفند الاتهامات إنه الشيخ
على عبد الرازق ومن المعروف أن هيئة كبار العلماء لم يردوا على تحية الشيخ على
عندما حيا الجالسين بقوله (السلام عليكم ).
وفى المحاكمة قال
الشيخ على فى هدوء تعلو وجهه ابتسامة عندما سئل عندك حاجه تقولها؟ : نعم ، وانا
كاتب مذكره إذا كنتم تحبون أن أقرأها وإذا أردتم المناقشه شفهيا فأنا مستعد
للمناقشه وطلب فى المحضر احتجاجه على الهيئة .
وقال : انى اعتقد أن
هذه الهيئة ليس لها صفه قانونيه تخولها محاكمتى بمقتضى الماده 101 من قانون الأزهر
وانى لم احضر اليوم اعترافا لها بصفة قانونية وانما حضرت امامها باعتبار أنها هيئة
فيها اساتذتى ومشايخى وكثير من علماء الأزهر الممتازين الذين اعتقد أن لهم على
ادبيا أن اجيب دعاءهم واناقشهم فيما يريدون.
ثم تقدم الشيخ على
عبد الرازق بمذكرة ردا على الملاحظات السبع التى وجهتها اليه هيئة كبار العلماء
بالأزهر وجاء فى مقدمة المذكرة 12 اغسطس 1925 قول الشيخ على :
((.. وما العالمية
الا صفة توجب على صاحبها البحث والتماس الحقائق وهو كل حال مأجور أن أخطا أو أصاب
وانا لنعتقد أن الوسيلة الوحيدة التى يمكن الاعتراض بها على اى بحث علمى انما هى
المناقشة فية والمجادلة بالحسنى ولا تبح سماحة الدين ولا عدالة القوانين اكثر من
هذا الحق)
وعن التهمة الأولى :
جعل الشريعة الاسلامية شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ فىامور
الدنيا.
يقول الشيخ على :
" نحن لا نعتقد أن الشريعة الاسلامية شريعة روحية محضة ولم نقل ذلك مطلقا لا
فى الكتاب ولا فى غير الكتاب ولا قلنا شيئاً يشبه ذلك الرأى أو يداينه ومع ذلك جاء
فى الحكم : حيث أن المتهم قد جعل الشريعة الإسلامية شريعة روحية محضة لا علاقة لها
بالحكم والتنفيذ فى امور الدنيا وحيث أن ذلك ينافى وصف العالمية فلذلك حكمنا عليه
..
وجاء الحكم باخراجه
من زمرة العلماء ولا يقبل الطعن فى هذا الحكم ويترتب على الحكم محو اسم المحكوم
عليه من سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى وطرده من كل وظيفة وقطع مرتباته فى
اى جهه كانت وعدم اهليتة باية وظيفة عمومية دينية كانت أو غير دينية )
وبعد أن اصدرت هيئة
كبار العلماء قرارها ضد الشيخ على عبد الرازق ارسل الاستاذ الاكبر شيخ الجامع
الأزهر الشيخ محمد ابو الفضل وهو الذى رأس محاكمة الشيخ على برقية إلى القصر
الملكى كى ترفع إلى مقام الملك فؤاد :
((صاحب السعاده كبير
الامناء بالنيابه بالاسكندريه ..
ارجو أن ترفعوا الى
السدة العلية الملكية عنى وعن هيئة كبار العلماء وسائر العلماء فروض الشكر وواجبات
الحمد والثناء على أن حفظ الدين فى عهد جلالة مولانا الملك من عبث العابثين وإلحاد
الملحدين وحفظت كرامة العلم والعلماء"
وعن الشيخ على عبد
الرازق يقول الدكتور عمارة فى كتابه "معركة الإسلام وأصول الحكم".
بعد محاكمته سافر إلى
لندن دارسا والى شمال افريقيا سائحا ومن هناك كتب عددا من المقالات التى نشرتها له
مجلة السياسة بعد أن تولى اخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر سنة 1945 أعاد
الأزهر للشيخ على عبد الرازق اعتباره فدخل ثانية فى زمرة العلماء ودخل الوزارة
وزيراً للأوقاف ما بين 28 ديسمبر 1948 و 25 يوليو 1949 فى الوزارة التى رأسها
إبراهيم عبد الهادى- باشا -كما شغل عضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ وعين عضوا
بمجمع اللغة العربية.
وله غير كتاب
"الإسلام وأصول الحكم" كتاب الاجماع فى الشريعة وهو محاضرات القاها على
طلاب كلية الحقوق بجامعة القاهرة وكتاب "امالى على عبد الرازق" وهو
محاضرات القاها على طلاب كلية الآداب بجامعة القاهرة كما القى على طلاب المعهد
العالى للدراسات العربية عدداً من المحاضرات عن الامام محمد عبده وفكره فى الإصلاح
الإسلامى كذلك جمع بعضاً من آثار أخيه الشيخ مصطفى عبد الرازق وقدمها الدكتور طه
حسين )
وهنا اتعجب لماذا
وافق الشيخ على أن يكتب المقدمة طه حسين؟ وكان هذا بعد عام 1946- تاريخ وفاة الشيخ
مصطفى عبد الرازق.
ولم تجد فى الكتب
التى تناولت قضية الشيخ على تفصيلات عن عودته إلى زمرة العلماء الا فى كتاب
الاستاذ محسن محمد وكتاب الأستاد محمد سيد كيلانى "فصول ممتعه" 1959 -
دار العرب البستانى
فى كتابه الوثائقى
المهم (اصول الحكم) متابعة دقيقة لقضية الشيخ على عبد الرازق من محاكمته حتى وفاته
ومن وجهات نظر مختلفة خاصة الجانب الذى تميز به الكتاب وهو موقف بريطانيا
والخطابات التى كان يرسلها الساسة المصريون حول موضوع على عبد الرازق، ويقول
الاستاذ محسن محمد فى كتابه:
"بدأت الخطوات
تتوالى لاختراق اسوار تجريد الشيخ على من العالمية جاءت الخطوة الأولى من حزب
الاحرار الدستوريين، رشحه عضوا لمجلس الشيوخ فوافق الملك وبعد وفاة الشيخ مصطفى
عبد الرازق وكان شيخاً للأزهر سبق له أن تولى وزارة الاوقاف عدة مرات منذ عام
1938، فكر الدكتور محمد حسين هيكل رئيس حزب الاحرار فى صديقه القديم الشيخ على
وراودته احلام فى رد اعتباره وتعيينه وزيراً للاوقاف وايد الفكرة وزراء حزب
الاحرار ولم يعترض النقراشى باشا رئيس الوزراء وقالت اخبار اليوم إن الملك وافق
شفويا ، لكن بعض رجال الأزهر اعادوا إلى الاذهان ما جرى من تجريد الشيخ على من
العالمية "
ويتابع الأستاذ محسن
التفاصيل الدقيقة لتحركات جماعة كبار العلماء حتى استقر الرأى أن يرفعوا التماسا
للملك لا يتعرض لحكم الهيئة عام 1925 بل يطلب العفو عن الاثار المرتبطة على الحكم
وهو حرمان الشيخ على من تولى الوظائف العامة وقع الالتماس جميع العلماء الحاضرين
كما رفع الشيخ حسنين مخلوف مفتى الديار المصريه آخر يؤيد فيه زملاءه بطلب العفو
لانه لم يكن حاضرا ،ووافق الملك وصدر المرسوم يوم 3 مارس سنة 1947 بتعيين الشيخ
على عبد الرازق وزيرا للاوقاف وليس فى 28 ديسمبر عام 1948 كما اشار الدكتور محمد
عماره فى كتابه، ومنح الملك الشيخ على عبد الرازق فى نفس السنة رتبة الباشوية.
ويقول الاستاذ سيد
مرعى فى كتابه"أوراق سياسية" الجزء الأول- المكتب المصرى الحديث 1978-
فى سنة 1948 اتصل نجيب سالم ناظر الخاصة الملكية بوزير الاوقاف الشيخ على عبد الرازق
وقتها وابلغه أن نطقا ملكيا سياسيا صدر بضم وقف اسماعيل إلى الاوقاف التى تديرها الخاصة الملكية وفوجىء
على عبد الرازق بذلك وطلب كتابا رسميا بالنطق الملكى للرد عليه وكان الرد بالرفض
لأن هذا الوقف يشكل جانبا من ميزانية الوزراة ولم يعجب الرد فاروق الملك وحدثت
الازمة واستدعى الملك النقراشى وقال له : "وزير الاوقاف بتاعكم مش عارف
يتعاون مع ناظر الخاصة وفهم الشيخ على مغزى النطق الملكى بعد أن أبلغه النقراشى
بما حدث ولم يكن امامه سوى طريقة واحدة وكتب استقالته وخرج من الوزارة ".
ويقول الاستاذ محمد
سيد كيلانى فى كتابه الذى اشرف اليه :" وبعد اثنين وعشرين عاما غيرت هيئة
كبار العلماء رأيها فى الشيخ على عبد الرازق واشار إلى ما نشر فى جريدة الاهرام فى
26 فبراير 1947 تحت عنوان العلماء يلوذون بالعرش فى مسألة على عبد الرازق بك
"
والحقيقه أن ما جاء
بالكتاب عن هيئة كبار العلماء صفحات 28-29-30 لا استطيع أن اشير اليه لغضب الكاتب
وحدته. (ولم تتوقف قضية الشيخ على عبد الرازق وكتابه حتى الان،) ففى يونيو 1966
وقبل وفاته بشهور قليلة ذهب اليه الكاتب الكبير محمود امين العالم ليستأذنه فى
إعادة طبع كتابه ويقول العالم فى مقاله" ستون عاما على الإسلام وأصول
الحكم" – الاهالى – 15 مايو 1985 يقول بالنص : ذهبت اليه استاذنه فى إعادة
طبع كتابه "الإسلام وأصول الحكم" كان سعيدا وكان حريصا على أن يؤكد لى
أنه ما تخلى لن يتخلى عن كتابه أبداً على أن حديثى عن اعادة طبعه اثار فى نفسه
الجرح القديم قال لى: "لم اعد احتمل مغامرة جديدة ، اطبعوا الكتاب على
مسئوليتكم ولا تطلبوا اذنا بغير ضمان اكيد اطمئن إليه"
وفى نوفمبر عام 1971
نشرت مجلة الطليعة نص الكتاب وفى المقدمة التى قدمتها المجلة جاء فيها : كانت نفس
الشيخ على عبد الرازق تهفو فى اواخر حياته التى انتهت عام 1966 إلى اعادة طبع هذا
الكتاب بعد أن نفذت طبعاته الثلاث عام 1925 "من الذى طبع الطبعة
الثالثة؟"
وكان هذا المفكر
الاسلامى الكبير يريد أن يمهد للطبعة الجديدة بدراسة عن ملابسات ظروف صدور الكتاب
1925 وذلك ليبعد خصومه بدوره الثورى وقتذاك ضد القصر الملكى واستبداد الملك فؤاد
بالذات، شرع الرجل بالفعل فى كتابة هذا التمهيد وسطر منه عدة صفحات لكن المنية
وافته قبل أن يتمه، بل لقد ضاعت الصفحات الاربع التى كان قد سطرها فى هذا المجال
وعلى حد رواية ابنه محمد، ويؤكد ذلك الدكتور محمد عمارة فى حديثه لجريدة الوفد 7
نوفمبر 1989 بقوله: إنه بعد وفاته بسنوات قليلة فكرت دار الهلال أن تنشر كتابه فى
سلسلة كتاب الهلال وطلب منى الاستاذ رجاء
النقاش الاتصال بالورثه وبحثت عن ابنائه والتقيت باكبرهم محمد ونقلت اليه رغبة دار
الهلال فى نشر الكتاب فحدثنى بأن والده تحت الحاح راغبى نشر الكتاب كان قد بدأ
بالفعل فى كتابة مقدمة جديدة لم تعبر عن موقف فكرى جديد فكتب منها ثلاث صفحات
وتوفى دون أن اتمام المقدمة.
وهذا معناه أن الشيخ
على عبد الرازق قد وافق على اعادة طبع الكتاب ومعناه أنه لم يتراجع عن افكاره كما
حاول بعض الكتاب أن يصور الموقف من خلال بعض الملابسات أو احدى المقالات أو تصريح
لصديق، وفى التحقيق التى قامت به جريدة الوفد –1989- بسؤالها :هل تراجع الشيخ على
عبد الرازق عما جاء فى كتابه؟
اكد الدكتور عمارة
أنه تراجع وكذلك اكد الشيخ محمد الغزالى وكذلك الدكتور محمد كمال الامام الا أن
الدكتورة سعاد على عبد الرازق نفت ذلك –جريدة الوفد وتؤكد أن والدها لم يتراجع
فانه يملك الشجاعة ما يجعله يواجه الناس بتراجعه ويعلن موقفه الجديد على الملأ
وحين اتصلنا بها - هذا الاسبوع - اكدت على ما سبق أن اعلنته عام 1989 .وما زال ملف
كتاب (الإسلام وأصول الحكم) مفتوحا.
الجمهورية (3/6/1993)
إنتقلت القضية من علماء الدين ... إلى
رجال السياسة
ذهب العقاد إلى سعد
زغلول يناقشه فى القرار الذى اصدرته (هيئة كبار العلماء) باخراج الشيخ على عبد
الرازق من زمرة العلماء فجردته من درجته العلمية وهى شهادة العالمية وترتب على هذا
فصله من وظيفته فى القضاء الشرعى.. فدافع سعد زغلول عن موقف هيئه كبار العلماء
قائلا : هب هولاء العلماء جماعة أنشأوا لهم ناديا ، وحكموا فى يوم من الايام على
واحد من حظيرتهم بالاقصاء من هذه الحظيرة اتراه يحق له أن يبقى بينهم على الرغم
منهم ولو كان مصيبا وكانوا هم مخطئين؟
يقول العقاد فى كتابه
سعد زغلول قلت: ياباشا ليس من حق جماعة أن تحرم واحدا منها حقوقه المصرية لأن
وظيفة القضاء التى يليها الاستاذ على عبد الرازق حق من حقوقه الوطنية التى لا
سلطان عليها لغير القانون ولو كان قصارى الامر أن يخرج الرجل من ناد أو زمرة لا
تريده لما استوجب الخلاف ،ولكنه يجرد من وظيفة القضاء بعد التجريد من لقب العالميه
وليس هذا بحق لهم يستأثرون فيه بالمنع والاعطاء فضلا عما فيه من مصادرة الحركة
والحجر على التفكير وكان سعد يتابع بارتياح اخبار ما ينزل بالشيخ على عبد الرازق
من عقاب وتجريح ويحث صحف الوفد على أن تهاجم الشيخ وكتابه "وينتقد العقاد هذا
الموقف ولعله هو الانتقاد الوحيد الذى وجهه إلى سعد فى كتابه الكبير فيقول : ولا
ازال اقول إن سعدا كان بغير هذا المسلك اجدر واحرى ،ولكنى اقول كذلك إنه مسلك إن
لم تظهر فيه بطولته فقد ظهرت فيه انسانيته التى لا تستغرب عن انسان، أو كما قلت
فيه ذات مرة:
ولئن هفوت فما أخالك
مخطئا
إلا لتنفى عصمة
الإنسان
ولكن من الغريب أن
سعد زغلول لم يقل للعقاد ما هو رأيه فى كتاب "الإسلام وأصول الحكم" إن
العقاد كان يعرف هذا الرأى ولم يذكره فى كتابه وقد عرفنا رأيه بعد ذلك بخمس وعشرين
سنة أو اكثر...
إن سكرتير سعد زغلول
الشيخ محمد ابراهيم الجزيرى يقول فى كتابه (سعد زغلول-ذكريات تاريخية طريفة) إنه
سأل سعداً عن رأيه فاستعد دولته كما يستعد المحاضر لالقاء محاضرة أو الخطيب لالقاء
خطبته ثم قال:
"لقد قرأته
بإمعان لأعرف مبلغ الحملات عليه من الخطأ والصواب فعجبت .."
" أولاً كيف
يكتب عالم دينى بهذا الاسلوب فى مثل هذا الموضوع؟ "
كيف يدعى أن الإسلام
ليس مدنيا ولا هو بنظام يصلح للحكم؟ فأية ناحيه مدنية من نواحى الحياه لم ينص
عليها الإسلام؟ أو لم يقرأ أن أمماً كثيرة حكمت بقواعد الإسلام فقط عهودا طويلة
كانت انضر العصور؟ وان أمماً لا تزال تحكم بهذه القواعد وهى آمنة مطمئنة؟ فكيف لا
يكون الإسلام مدنيا ودين حكم ؟
وإنى لا افهم معنى
للحملة المتحيزة التى تثيرها جريدة السياسة حول هذا الموضوع وما قرار هيئة كبار
العلماء باخراج الشيخ على من زمرتهم الا قرار صحيح لا عيب فيه لأن لهم حقا صريحا
بمقتضى القانون أو بمقتضى المنطق والعقل أن يخرجوا من يخرج على انظمتهم من حظيرتهم
فذلك امر لا علاقة له مطلقا بحرية الرأى..
فسألة الجزيرى : لعل
السبب فى موقف صحيفة السياسة من الدفاع عن الشيخ على والنقد لهيئة كبار العلماء هو
أن العلماء لم يندفعوا من تلقاء انفسهم إلى هذه المحاكمة وإنما كانوا مسوقين فى
رأى الصحيفه بجهة يهمها تاييد مركز الخلافة فاستعانت بنفوذ العلماء.
فقال سعد: اعرف ذلك
ولكن مهما كان الباعث فإن العلماء فعلوا ما هو واجب وحق ولا يجوز أن يوجه إليهم
ادنى لوم فيه والذى يؤلمنى حقا أن كثيراً من الشبان الذين لم تقو مداركهم فى العلم
القومى والذين تحملهم ثقافتهم الغربية على الاعجاب بكل جديد سيتحيزون لمثل هذه
الافكار خطأ كان أو صواب دون تمحيص ولا درس ويجدون تشجيعا على هذا التحيز فيما
تكتبه جريدة السياسة وامثالها من الثناء العظيم على الشيخ على عبد الرازق ومن
تسميتها له بالعالم المدقق ،والمصلح الاسلامى والاستاذ الكبير .
وقد وددت أن يفرق
المدافعون بين حرية الرأى وبين قواعد الإسلام الراسخة التى تصدى كتابه لهدمها.
هذا هو رأى سعد زغلول
فى كتاب الإسلام وأصول الحكم كما ذكره سكرتيره الاستاذ الجزيرى بعد سنوات طويلة
عندما اصدر كتابه عن سعد فى بداية الخمسينيات .
ومن جهه أخرى ماذا
كانت تكتب صحيفة السياسة دفاعا عن الكتاب ومؤلفه؟ وماذا كانت تقول عن هيئة كبار
العلماء وقرارها؟
رأت صحيفة السياسة أن
خير ما تدافع به عن الكتاب وما تضمن من آراء وأقوال أن تضع بين يدى القراء مجموعة
من الآراء والاقوال التى صدرت عن الامام الشيخ محمد عبده وأن تقول: إن ما كتبه على
عبد الرازق اليوم لا يخرج فى جوهره عما قاله الاستاذ الامام من قبل ..
فالاستاذ الامام قد
قال : ليس فى الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير
والتنفير عن الشر وهى سلطة خولها الله لادنى المسلمين يقرع بها انف اعلاهم ، كما
خولها لأعلاهم يتناول بها من ادناهم.
أليس هذا هو ما قال
الشيخ على عبد الرازق مثله، ولكن فى شىء من التفصيل والتوضيح .
والأستاذ الإمام قد
قال: إن الخليفة أو الإمام هو حاكم مدنى وليس حاكما دينيا وهذا نص كلامه:
"ولا يجوز لصحيح
النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الافرنج (ثيوقراطيه) اى السلطان
الالهى ،كان ذلك عندهم هو الذى ينفرد بتلقى الشريعة عن الله وله حق الاثره
والتشريع ،وله فى رقاب الناس حق الطاعة لا بالبيعة وما تقضية من العدل وحماية
الحوزة بل بمقتضى حق الايمان".
أما فى الإسلام فإن
الشيخ عبده يقول الأمه أو نائب الأمه هو الذى ينصب الخليفة والأمة هى صاحبة الحق
فى السيطره عليه وهى التى تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدنى من جميع
الوجوه.
ولم يقل الشيخ على
عبد الرازق اكثر من هذا ،وان كان قد قاله لغة حادة وعنيفـة
وفيما تيعلق بترك
الإسلام الحرية للناس فى اختيار نظام الحكم الذى يلائم مصالحهم واوضاعهم ،فقد قال
الاستاذ الامام: ومعلوم أن الشرع لم يجىء ببيان يحدد طريقة معروفة للشورى فالشورى
واجب شرعى ولكن كيفية اجرائها غير محصورة فى طريق معين.
وقد قال مثل هذا
الشيخ على عبد الرازق واستنتج منه أن للمسلمين أن يختاروا فى هذا العصر نظاما
للشورى مثل النظام الديمقراطى البرلمانى الذى تعرفه الشعوب فى العصر الحديث.
كان هذا هو الدفاع
الجاد الذى قدمتة صحيفة السياسة عن الكتاب أما الهجوم المرير على هيئة كبار
العلماء وقرارها فيتمثل فى مقال صدرت به الصحيفه غداة صدور قرار الهيئة ولم يوقعه
كاتبه ولكن كان من الواضح أنه طه حسين باسلوبه الساخر اللاذع.
كان عنوان المقال
الساخر ايها الطريد ؟ مخاطبا الشيخ على عبد الرازق الذى طرد من زمرة العلماء..
ايها الطريد من
الأزهر تعالى إلى نتحدث ضاحكين عن هذة القصة المضحكة قصة كتابك والحكم عليه وعليك
وطردك من الأزهر .
تعال نضحك كان اهل
السنة وما زالو يرون أن الخلافة ليست ركناً من أركان الدين وأن الشيعة فسقوا حين
عدوها كذلك. فلما قلت للناس فى كتابك اجمع عليه اهل السنة غضب عليك اهل الأزهر،
ورموك بالإبتداع والإلحاد واخذوا يقولون: إن الخلافة اصل من اصول الدين .
وقد كنا نعلم أن
القاهرة مركز اهل السنة فسبحان من يغير ولا يتغير اصبحت القاهرة كطهران مركز
الشيعة وإنهار بناء صلاح الدين ولم لا ؟
الشيعة هم الذين بنوا القاهرة وهم الذين بنوا الأزهر وشيدوه أليس الفاطميون
هم الذين أنشأوا القاهرة ومسجدها الجامع فاى عجب فى أن تعود القاهرة شيعية كما
كانت يوم اسسها الفاطميون ؟ وأى عجب فى أن يعود الأزهر شيعياً كما كان يوم بناه
الفاطميون.
ثم يمضى الكاتب
الساخر فى مقاله معرضا بهيئة كبار العلماء.. ما هذه الهيئة التى اخرجتك من الأزهر
؟ على أى من كتاب الله تستند ؟ اركن هى من اركان الإسلام كالامامة ؟ كلا انما هى
بدعة لا يعرفها القرآن الكريم ولا تعرفها السنة المطهرة ولا النظم الإسلامية ،هى
بدعة فليس لحكمها صفة دينية ومن قال غير ذلك فهو آثم).
ولكن هل للإنجليز موقف من هذه القضية
الكبرى ؟
بعد أن مضت خمسون سنة
على صدور الكتاب فى سنة 1952 واخذت الحكومة البريطانيه تنشر وثائقها فى تلك الفترة
ويذهب الكاتب الصحفى الأستاذ محسن محمد إلى لندن وينقل الينا فيما نقل من الوثائق
رسالة خطيرة بعث بها المندوب السامى إلى وزارة الخارجية البريطانية وضمن هذه
الرسالة فى كتابه أصول الحكم الذى يدور معظمه حول قضية الكتاب ومؤلفه .
إن الوثيقة التى
اذيعت تتضمن رسالة سرية من الدكتور حافظ عفيفى إلى المندوب السامى البريطانى
ورسالة من المندوب السامى إلى وزير خارجية بريطانيا وهذه الوثائق تلقى ضوءاً
وأضواء على الأوضاع السياسية فى بلدنا فى ذلك الوقت حين استنجد رجال السياسة
ببريطانيا لتتدخل فى قضية كانت أول الأمر قضية دينية إسلامية.
ونبدأ بكلمة قصيرة عن
الدكتور حافظ عفيفى الذى كتب إلى المندوب السامى البريطانى ملتمسا مستنجدا .
كان هذا الرجل سخصية
لامعة منذ شبابه، وظلت لامعة عهداً طويلاً فى مجال السياسة ومجال الاقتصاد.. بدأ
حياته عضوا فى الحزب الوطنى وكان بارزا فيه فلما تالف الوفد المصرى ليعرض القضية
المصرية على مؤتمر الصلح الكبير فى سنة 1919 اختار سعد زغلول ممثلين ينوبون عن اهم
الهيئات والاتجاهات الوطنيه ليكون الوفد جبهة قوية تمثل مصر كلها وتعرض قضية
الإستقلال أمام العالم فاختار اثنين عن الحزب الوطنى هما مصطفى النحاس وحافظ عفيفى
ثم دب الخلاف كالعادة بين أعضاء الوفد فانقسم إلى حزبين :حزب الوفد وحزب الاحرار
الدستوريين، وانضم حافظ عفيفى إلى هذا الحزب الثانى وصار من رجاله البارزين وأنشأ
جريدة السياسة ثم السياسة الاسبوعية تولى ادارتها وكان رجلا مثقفا بدأ حياته طبيبا
ثم ترك الطب واحترف السياسة وخاض غمارها فصار فيما بعد وزيراً للخارجية وكان أول
مصرى يرأس مجلس الأمن الدولى عندما كانت كلمة من مجلس الأمن تدوى فى العالم ويكون
لها وزنها وتأثيرها ثم صار رئيساً للديوان الملكى - وكان منصباً سياسياً هاماً -
وظل فيه حتى غربت شمس الملكية وغابت يوم 26 يوليو 1952 .
المهم فيما نحن بصدده
أن نذكر أن حافظ عفيفى نشأ فى بيئة الحزب الوطنى الذى كان هدفه الأول والاخير هو
تخليص مصر من الانجليز .
كيف إذن وجد حافظ
عفيفى فى نفسه من المبادىء الوطنية ما يحمله على أن يكتب إلى المندوب السامى
البريطانى خطابا سريا فى قضية كتاب "الإسلام وأصول الحكم "وأن يكتب
مستنجدا بنفوذ المندوب السامى لكى يتدخل ضد هيئة كبار العلماء ويحرض المندوب
السامى على هذه الهيئة لأن ما فيها لا يدين بالولاء للانجليز ؟!
ويدخل المندوب السامى
طرفا فى القضية ويرسل إلى وزير الخارجية اوستن تشمبرلن مذكرة يلخص فيها كتاب
"الإسلام وأصول الحكم" ويشرح له رأى الإسلام من نظام الحكم ،كما يفهم
المندوب السامى ويبين له بعد هذه الصراعات التى تدور فى مص بسبب هذا الكتاب
والاحزاب السياسية والوفد وزعيمه والأزهر وعلماء الدين ويتكلم عن الخلافة
الإسلامية التى يسعى اليها الملك فؤاد .
وننقل الآن من كتاب
"أصول الحكم" للأستاذ محسن محمد اجزاء من الوثيقه البريطانية تضمنت
الخطاب السرى الذى كتبه حافظ عفيفى إلى المندوب السامى قائلا : اعتقد أنه من واجبى
أن اطلعك على الاتجاهات الخفية لحركة تبدو فى الظاهر ذات طابع دينى وهى فى حقيقتها
ذات طابع سياسى انى اتحدث عن الشيخ على عبد الرازق فقد ألف اخيراً كتاباً عن
الخلافة يثبت فيه أنه لا اساس للخلافة فى الدين الإسلامى وإنها ليست إلا مجرد
مؤسسة سياسية.
ادى نشر هذا الكتاب
إلى اندلاع موجة من الغضب مصدرها كبار الشخصيات الدينية وإنى واثق أن الأنفجار لا
يرجع إلى الإعتقاد بأن الإسلام قد أسىء اليه بل إلى الإعتقاد البسيط بأن صاحب
الجلالة الملك هو المرشح للخلافة وان هذا الكتاب يشكل عقبة فى سبيل هذه الغاية .
وهذا الترشيح لمليكنا
هو مجرد افتراض فلم يسمع اى وزير من صاحب الجلالة اية كلمة عن هذا الموضوع وفى
رأيى أن هذا الأمر يرجع إلى تشكيل لجنه للخلافة العام الماضى ضمت الأزهريين فقط،
ويبدو أن المسئولين فى القصر كانوا وراء قيامها ويرأس اللجنه شيخ الأزهر وتضم عددا
آخر من الموظفين الذين يشغلون مناصب دينية كبيرة كاعضاء.
الأخبار
2/5/1981

ليست هناك تعليقات