كتاب الاسلام السياسى
جاليرى الكتب
ملف : كتب الأزمة
الكتاب : الإسلام
السياسى
المؤلف : محمد سعيد
العشماوى
الناشر : دار سينا
للنشر – 1988 (طبعة ثانية 1990)
عدد الصفحات 220 صفحة
(ترجم إلى الفرنسية طبعتان فرنسية وجزائرية – الإنجليزية طبعة واشنطن 1992)
لاحظ المؤلف استشراء
ظاهرة الجماعات المتطرفة ورفعها شعارات حاكمية الله والجهاد، والجهاد فريضة غائبة
والقومية الاسلامية التى كانوا ينقدون بها الوطنية المصرية واى انتماء لاى بلد
عربى أو اسلامى فكتب بحوثا جمعها فى كتابه الاسلامى السياسى تتعرض بالنقيد لكل
اقاويل جماعات الإسلام السياسى وصار هذا التبرير علما على هذه الجماعات يتداول فى
الشرق والغرب معا.
والكتاب فى مجملة
يدور حول محاور ثلاثة:
·
الإسلام
لا شأن له بالسياسة
·
التجربة
الاسلامية فى مجموعها
·
التيار
الاسلامى الحديث
حديث الافك هو ما وصف
به الكاتب فهمى هويدي كتاب الإسلام السياسى وهو عنوان احدى مقالين له رد على
المستشار محمد سعيد العشماوى نشر فى جريدة الاهرام أما المقال الثانى فهو الإسلام
السياحى وثارت ازمة بين الكاتبين فرد المستشار العشماوى على مقالى هويدى بمقالين هما
اخلاقيات الإسلام ، عن الشريعة فى مصر.
وعلى الجانب الاخر
يقول نجيب محفوظ هو تصدى لموضوعه بمنهج علمى واضح من منطلق تخصص مكين فى الدين
والقانون ورغبة حارة فى الاحتكام إلى العلم والمنطق مستهدفا رؤية دينية مشرقة
وغاية وطنية نبيلة انه مثل رضيع الصوت الهادئ العميق يتصدى لامور غاية فى الأهمية
مما يختلج بها الوجدان وتشغل الكثير من الشبان والشيوخ مثل حاكمية الله والحكومة
الاسلامية والجهاد فى الإسلام.
وفى تطور اخر توجهت
لجنة من مجمع البحوث الاسلامية بتاريخ 7 يناير 1992 إلى مقر دار سينا للنشر بمعرض
الكتاب وحررت محضرا اثبت فيه التحفظ على كتاب الإسلام السياسى ومعه اربعة كتب أخرى
للمؤلف لمصادرتها وهى :-
·
اصول
الشريعة صدر 1979 وطبعة ثانية 1983 وثالثة 1992
·
الربا
والفائدة فى الإسلام صدر 1988
·
معالم
الإسلام صدر 1989
·
الخلافة
الاسلامية صدر 1990
وعن رأيه فى مصادرة
كتبه يقول المؤلف "ان القرار عبارة عن عدوان مادى وليس له اى اثر قانونى وهو
مجرد اساءة صدرت من جهة نحترمها ولم يكن من الجائز أن يصدر عنها مثل هذا التصرف
خاصة أن كتبى تملأ مكتبات العالم فى المشرق والمغرب ومجرد صدور هذا القرار الذى لا
سند له من القانون ولاشرعية، له من الدستور والذى هو مجرد عدوان مادى يسئ إلى
اساءة بالغة دون أن يحقق اى مصلحة.
وهاجم بعض رجال
الازهر لذلك قائلا "ان بعض رجال الازهر يريدون أن يلعبوا دورا مهما فى الحياة
السياسية ويسيطروا على مقادير الفكر والفن والادب فى مصر وربما كان من اسباب هذا
التصرف محاولة ارضاء جماعات الإسلام السياسى فى مصر أو محاولة مغازلة تيار الإسلام
السياسى فى الجزائر.
وجهة نظر (الإسلام
السياسى)
معركة تحتدم فى
بلادنا حول الدين والدولة. منها جانب حركى لا يخلو من عنف وما يتبعه من اعتقالات
ومحاكمات، وجانب عقلى تخالطه الانفعالات فنادرا ما يحظى بما يستحقه من موضوعية
وهدوء. لذلك استقبلنا كتاب "الإسلام السياسى" للمستشار محمد سعيد
العشماوى بترحيب وتقاؤل. انه مثل رفيع للصوت الهادئ العميق يتصدى لأمور غاية فى
الاهمية مما يختلج بها الوجدان وتشغل الكثرة من الشبان والشيوخ مثل "حاكمية
الله" و"الحكومة الاسلامية" و " الجهاد فى الإسلام" ثم
اردفه بكتاب يماثله اهمية وخطورة عن الربا.
وهو يتصدى لموضوعه
بمنهج علمى واضح من منطلق تخصص مكين فى الدين والقانون ورغبة فى الاحتكام إلى
العلم والمنطق مستهدفا رؤية دينية مشرقة وغاية وطنية نبيلة، مشاركا باصالته فى
اجتهاد نخبة من المفكرين المعاصرين ، وداعيا معهم إلى حوار مثمر نخرج به من الظلمات
إلى النور. وإنى على يقين من اننا جميعا - شعبا وحكومة – فى حاجة ماسة إلى الحوار
الصادق والفكر الثاقب لنهتدى إلى طريق سوى يقضى بنا إلى السداد والرشاد.
ولعلى اتقى الدخول فى
أعماق لست من اهل العلم والخبرة فيها ، اعماق لا يسمح الالمام بها لغير المتخصص
بالحكم فيها ولكنى امل أن يدعو الفكر الرصين المخلصين من مفكرينا إلى الحوار
والمناقشة بالاسلوب الخليق حقا باهل الفكر والعلم، المنزه عن الاتهامات والمبرأ من
الانفعالات واعتقادى أن الجمهور المتابع للحوار يمثل المؤمنين والمنتمين فى امتنا
ممن يشوقون إلى معرفة الحقيقة قد اضجرهم الضجيج وآذاهم العنف واحزنهم العنف
المضاد، وباتوا يتطلعون إلى من يتعاون على فتح نوافذ الحكمة ليتدفق نور الحق
والهداية.
الأهرام 25/2/1988
حديث
الافك
عندما يكون الكلام
اوله افك واخره افك فهل نتجنى أن وصفناه بانه حديث الافك حتى وان صبه صاحبه بين
دفتى كتاب ووضع على غلافه عنوانا مغلوطا هو "الإسلام السياسى"
وفى
"المنجد" فإن حديث الافك هو الذى لا أصل صحيح له وهو الحد الادنى الذى
يمكن أن يوصف به هذا الكاتب المريب الذى صدر فى القاهرة خلال شهر ديسمبر الماضى
محملا بجرعات من السم الردئ اريد بها اغتيال الشريعة الاسلامية وكافة المؤمنين بها
والداعين اليها بلغة مقطوعة النسب بالعلم ومشكوك فى نسبتها إلى الادب.
يمطرنا الكاتب بوابل
من الاوحال والحجارة فى الاسطر الأولى من مؤلفه فيقول ما نصه : ان تسييس الدين أو
تديين السياسة لا يكون إلا عملا من اعمال الفجار الاشرار، أو عملا من اعمال الجهال
غير المبصرين ثم يضيف بعد قليل أنه ازاء مزاعم اولئك "الفجار الاشرار"
كان لابد أن يصدر هذا الكتاب ليناقش مزاعمهم "بأسلوب علمى سديد" وان
يختبر الاستنارة والبعث والتجديد والنظريات التى بشر بها فانه يواجه بمسلسل الافك
موزع على عشر حلقات استغرقت 220 صفحة لا تكاد تخلو واحدة منها من سند مكذوب أو
استدلال فاسد.
مسلمون أم يهود ؟
المقوله الاساسية فى
الكتاب أن الإسلام دين روحانى واخلاقى لا علاقه له بشئون الحكم والسياسة وان
الشريعة التى ينادى بها البعض شئ مبتدع لا اصل له فى القرآن
وهذه الفكرة لا جديد
فيها ولا اضافة ، فقد اطلقها الشيخ على عبد الرازق ، فى كتابه "الإسلام واصول
الحكم" الذى صدر فى عام 1925م وان ردد الكاتب بعضا من حجج شيخه الا أن
"نظرياته" التى اضافها كانت محصورة فى مجالات ثلاثة : الحيثيات الجديدة
التى ساقها ليدلل على صحة المقولة تجريح التجربة الاسلامية فى مجموعها التعريض
والتحريض على التيار الاسلامى القائم حاليا بكافة فصائله المعتدله قبل المتطرفة.
فى صدد دعوى انفصال
الإسلام "الصحيح" عن الحكم، اورد الحجج التالية :
ان رسالة النبى محمد
صلى الله عليه وسلم ليست كرسالة موسى رسالة تشريع وانما هى رسالة رحمة ورسالة
اخلاق أساساً بحيث يعد التشريع صفة تالية ، ثانوية غير اساسية (ص 35) واستدل على
ذلك بمعيار رقمى هو أن القران الكريم يتضمن حوالى ستة الاف اية والآيات التى تعد
تشريعات قانونية للمعاملات هى حوالى مائتين اى مجرد جزء واحد من ثلاثين جزءا من
ايات القران.
ذلك فضلا عن أن لف
الشريعة لم يرد فى القران بمعنى النظام القانونى ولم يتجاوز معناه فى القران وفى
المعاجم حدود الطريق أو السبيل أو المنهج ثم ان الإسلام لم يحدد شكلا للحكم وانما
حدد له العدل أساساً وفى الحديث الشريف "قد يدوم الحكم فى الشرك لكنه لا يدوم
على الظلم" (ص 120)
ان لفظ الحكم لم يرد
فى القران بمعنى الادارة السياسية وانما هو يعنى القضاء بين الناس والفصل فى الخصومات
أو الرشد والحكمة
ان الاشارات القرآنية
إلى من لم يحكم بما انزل الله فى سورة المائدة التى تعتبره كافرا مرة وظالما مرة
وفاسقا مرة ثالثة هذه الايات نزلت فى أهل الكتاب (اليهود خاصة) ولا شأن للمسلمين
بها.
وهو يذكر أن عبد الله
بن عباس دعا إلى تفسير الآيات القرآنية فى ضوء اسباب نزولها وبنى على ذلك أنه
"الضوابط والحدود والقواعد التى لابد من التزامها والتقيد بها حتى لا ينحرف
تفسير القرآن ولا يجيد فهم المسلم هى – أولاً واخيرا- (لاحظ التشديد) أن يرتبط
تفسير الآيات القرآنية باسباب تنزيلها (42).
وهو يحاول تعزيز
واثبات حججه تلك اورد صاحبنا عددا من الشواهد والملاحظات فى مقدمتها:
أن حكومة عمر بن
الخطاب هى حكومة تحالف طبائع الاشياء ولن تتكرر أبداً ذلك أن النبى قال فيه انه
محدث اى ملهم ومتنبئ وان الحق على قلبه ولسانه وانه لو كان نبى بعد النبى لكان عمر
، ومن يقل عنه النبى هذا بوحى من الله -يكون من طبيعة خاصة وتكوين استثنائى ادنى
إلى طبائع الانبياء" (ص8) – وخصوصية عمر هذه مكنته من أن يفهم روح الإسلام فى
الحركة والتجديد لمواكبة الواقع ومتابعة الاحداث ورؤية المستقبل حتى وان خالف نصا
صريحا فى القرآن. (ص8)
بعد وفاة عمر انقلبت
الموازين وغلبت السياسة الدين وبدا التاريخ الاسلامى منذ هذا الوقت وقد اصطبغ فيه
الدين بالسياسة، وظهرت الانحرافات والصراعات القبلية التى انتهت بتولى الامويين
للسلطة واصبح الحاكم خليفة الله وليس خليفة للمسلمين مما اكسبه عصمة وقداسة، فى
فعله وقوله. على حد تعبيره (ص11)
بالمناسبة ذكر المؤلف
أنه على عكس الاعتقادات الشائعة فإن المجتمع غير مطالب بالاصرارعلى تطبيق الحدود
بل انه مأمور بالتعافى فيها والتغاضى عنها استنادا إلى الحديث النبوى "تعافوا
فى الحدود وكلما اعرض المجتمع عن تطبيق الحدود واغض عنها وتعافى فيها كان متبعا
روح الإسلام محققا لدعوة النبى" (ص183)
فى هذه الصدد قال عن
الخمر ، ان القران امر باجتنابها ولم ترد تلك العقوبة فى السنة أيضاً بالتالى فقد
ظل الخمر اثما دينيا موكول النهى عنه إلى ضمير المؤمن "والمشرع المصرى لم يحل
الخمر لكنه اتبع المنهج القرانى فى اعتبارها اثما دينيا موكولا امره إلى التربية
الدينية والى ضمائر المؤمنين" ص 51.
تدليس مرصود
ووجه الافك والتدليس
فى كلام صاحبنا مرصود فى نقاط بغير حصر فى مقدمتها:
1- القول بأن رسالة الإسلام ليست رسالة
تشريع استنادا إلى كم ايات الاحكام والتكاليف هزل فى موضع الجد أولاً لأن العبرة
بمضمون تلك الايات وما تقرره من مبادئ لمختلف مجالات الحياة بصرف النظر عن عددها
وثانيا لأن مقتضى دوام الرسالة والشريعة أن تعنى احكامها بالمبادئ والاسس فتقرير مبدأ
الشورى مثلا كاساس للنظام الدستورى ورد فى ايتين اثنتين لكنه اهم من اى تفصيل فى
شكل النظام ومؤسساته وثالثا لأن حصر ايات الاحكام فى مائتى اية لا يخلو من تبسيط
وتحكم لانه من العسير أن تفصل تلك الآيات عن مختلف قواعد السلوك المبسوطة فى
القران كله. فالدعوة إلى التعفف وعدم اكل اموال الناس بالباطل المبثوثة فى مواضيع
عديدة من القران وثيقة الصلة بالايات التى تنهى عن الربا وتلك التى تجرم السرقة
وتوقع الحد على السارق وهكذا والصحيح أن يقال بأن الإسلام رسالة هداية حقا لكن
التشريع جزء اصيل فيها. من ناحية رابعة هى الاهم فإن الحديث عن الإسلام بمثل ذلك
المنطق يفرغ الرسالة من مضمونها ويلغى مبررها من الاساس اذ لو أن الهدف منها هو
الرحمة والاخلاق كما يزعم صاحبنا وامثاله فرسالة المسيح تسد هذه الثغرة وتؤدى تلك
الوظيفة بكفاءة عالية ولاحكمة فى أن ينزل دين اخر ويبعث رسول اخر ليؤدى الوظيفة
ذاتها فى حياة الناس.
2- والحديث الذى ذكره صاحبنا عن الشرك
والظلم وكرره مرتين فى الكتاب (83و 120) لا اصل له وانما هو مقولة جاءت على لسان
الامام على فى نهج البلاغة نصها "الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم وهذا
التخليط من ركائز المنهج العلمى السديد الذى اتبعه المؤلف وبمقتضاه استند إلى عدد
من الاحاديث الموضوعة مثل حب الوطن من الايمان (ص152) وفساد ظاهره لأن كلمة الوطن
بمعناها الشائع لم تكن معروفة على زمن النبى ومثل "لو كان نبى بعد النبى لكان
عمر" الذى سنتحدث عن فساده بعد قليل غير مالا حصر له من الوقائع التاريخية
المكذوبة والمفاهيم المغلوطة التى
استلزمها منهجه السديد
3- واما القول بأن لفظ الحكم قد ورد فى
القران بمعنى الفصل فى الخصومات وليس الإدارة السياسية فهو أيضاً من مبتدعات الشيخ
على عبد الرازق التى نقلها مؤلف الكتاب بغيرعلم ولا هدى وممارسات النبى ذاته تكذب
هذا الادعاء ورغم اننا نتحدث عن صيغة للحكم مضى عليها اربعة عشر قرنا ولابد أن
تختلف عن مفهوم وصيغة الحكم فى زماننا الا اننا نحيل المكابرين فى هذه النقطة إلى
ما ذكره الشيخ محمد بخيت فى نقضه لكتاب الإسلام واصول الحكم واعتمد فيه على مصادر
أخرى اذ عرض بتفصيل دقيق لصيغة الحكومة النبوية انذاك وما تضمنته من انشطه الوزارة
والحجابة وولاية البدن والسقاية والكتابة، وامارتى الحج والجهاد وبعثات المصالحة
والأمان فضلا عن الفتوى والقضاء وكتابة الشروط والعقود إلى غير ذلك مما شرحه الشيخ
بخيت موثقا بالأدلة والبراهيين على حوالى 80 صفحة (من ص 128 ص 217)
4- والقول بأن ايات الحكم ما انزل الله
مقصورة على اهل الكتاب دون غيرهم افك من الوزن الثقيل – والدعوة إلى تفسير ايات
القرآن فى ضوء اسباب النزول فقط هو جهل من الوزن ذاته ولا نعرف كيف ساغ لعقل رجل يزعم
انتماءه إلى العلم أن يقول بأن الله سبحانه وتعالى الزم اهل الكتاب بتطبيق احكامه
واعفى المسلمين من ذلك الالزام. صحيح أن الآيات نزلت فى اهل الكتاب لكن كافة
المفسرين والراشدين من المسلمين اعتبروها احكاما عامة تسرى على المسلمين كما تسرى
على غيرهم حتى الشيخ على عبد الرازق الذى حاول فى كتابه أن يتلمس اى سبيل لسد
الطريق بين الإسلام والحكم لم يشر إلى مسأله اختصاص ايات الحكم باهل الكتاب، ليس
لانها فاتته أو جهلها ولكنه لابد أن يكون قد استحى عن ذكرها. وكلام ابن عباس عن
التفسير فى ضوء اسباب التنزيل الذى يتشبث به صاحبنا باسنانه واظافره اعمل فيه
الرجل غرضه وهواه فهو لا ينصب على عموميات القران ولكنه يخص الايات الموصوفة
بالمتشابهات وهى غير الحكم من ايات الله وقد نهى عامه المسلمين عن الخوض فى تلك
المتشابهات حتى لا يخطئوا فى تأويلها وقد كان جيل الصحابة الذى تعلم على رسول الله
هو الاعرف بها والأدرى باسباب تنزيلها. دليل ذلك أن ابن عباس ذاته هو القائل فى
شأن الاية عامة على هذا "تفسير القرطبى ج6 ص 211) وفى الطبرى رواية منقولة عن
الحسن البصرى يعقب فيها عن الاية ذاتها بقوله نزلت فى اليهود وهى علينا واجبة
(ج6ص257) والمتفق عليه أن اسباب التنزيل تفيد فى فهم المراد بالايات والعلم بها
ضرورى لاى مجتهد لكن القول بأنها المرجعة الأول والاخير فى التفسير هو ادعاء لا
دليل عليه ونسبة الدليل إلى ابن عباس هو من نماذج الخلط بين الافك والجهل والطريف
أن الكاتب الهمام هاجم المتطرفين مستندا إلى الآية القرانية التى تنهى عن الغلو
(ص132) فى حين أن الآية موجهة فى التنزيل وفى النص إلى اهل الكتاب اى أنه استخدم
هواه بصورة مكشوفة فتمسك بسبب التنزيل حين اراد أن يصادر الحكم بما انزل الله
وتجاهله عندما عن له أن يدين الغلو والتطرف.
عن اكذوبة العصمة
5- الكلام عن عمر بن الخطاب افك من نوع اخر
فحكاية احتمال نبوته بعد النبى وردت فى حديث مدسوس وفى "الموضوعات
الكبرى" لابن الجوزى أن الحديث لا يصدر عن النبى وان رواية رجل يدعى زكريا بن
يحيى وقد قال فيه لابن الجوزى كان من الكذابين الكبار وقد حرص الكاتب على أن يقدمه
بحسبانه شبه نبى لينفى عنه صفة الحاكم، موحيا بانه لم يكن رجل سياسة وهو خطأ انبنى
على خطيئة ليبرر فرية أخرى ولا تقل فداحة وهى أن عمر بصفته تلك خالف نصوصا صريحة
فى القران بعد توقيعه حد السرقة وبوقف نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة وهو كلام لا
يصدر عن مبتدء فى فهم الإسلام ورجاله فعمر اورع من أن يخالف نص القرآن لكنه اوعى
من أن يضعها فى غير موضعها أو يطبقها دون أن تتوفر لها شروطها.
6- مسالة عصمة الخلفاء اكذوبة أخرى لا سند
لها فى تاريخ اهل السنة كله والاستناد إلى جملتين منسوبتين إلى معاوية بن ابى
سفيان وابى جعفر المنصور على فرض صحتهما فهما بمثابة الاستثناء الذى يؤكد القاعدة
مع ذلك فالعبرة ليست بما يزعمه احد من الحكام لنفسه ولكن العبرة بقبول الناس لذلك
الزعم وتعاملهم مع الحكام على ذلك الاساس وهو مالم يحدث فى اى مرحلة من مراحل
التاريخ الاسلامى.
7- حديث المؤلف عن الموقف من الحدود
الشرعية وكون الاعراض عن تطبيقها من روح الإسلام فهو مزحة فجة تستخف بالعقول لتبرر
الغاء الحدود وحذفها من القوانين الجزائية بحجة الاستجابة لروح الإسلام أما تناوله
لمسألة الخمر وكيف عالجها القانون المصرى بالمنهج القرانى فهو مزحة من النوع ذاته
نكتفى باثباتها دون تعقيب وأقف عند هذا الحد مضطرا ومستأذنا فى متابعة مسلسل الافك
فى الأسبوع القادم باذن الله.
لقد قدم استاذ
للتاريخ الاسلامى إلى نيابة امن الدولة قبل اسابيع لمجرد أنه شكك فى حجية بعض
الاحاديث النبوية وقال عشر معشار ما يروج له صاحبنا من اكاذيب وقد انكرنا الكلام
وانكرنا القبض على صاحبه فى حينه وهو موقف نثبته هنا حتى قبل أن تفاجئنا معلومات
هوية الرجل التى سجلها على غلاف الكتاب المريب.
اذ كانت المفأجاة
الأولى أنه مصرى ومسلم واسمه محمد سعيد العشماوى
أما المفاجاة الثالثة
فإنه أيضاً استاذ محاضر فى اصول الدين والشريعة التى ينكرها.
وهى مفاجأة لا يملك
المرء ازاءها الا أن يفغر فاهة وينفجر ضاحكا لكنه ضحك كالبكاء.
الاهرام 19/1/1988.
الإسلام السياحى
الأهرام 26/1/88
يشكل السلوك الجنسى
للغرب احد اسباب الدعوى إلى اقامة الحكومة الاسلامية ولا يزال العقل الاسلامى
مشغولا إلى الان بقضية غير القرشى وهل يجوز له أن يصبح رئيسا للدولة أم لا فى حين
ادى تنامى الشعور الاسلامى إلى بعث قوميات ثلاث عربية وافريقية وفارسية تضم ايران
وليبيا والحل أن تطوى هذه الصفحة تماما لتحل محلها دعوة إلى حكومة اسلامية جديدة
تعنى بامور حيوية مثل تحديد النسل وتفتح الإسلام لكل انسان وتجعل كل انسان مفتوحا
للاسلام وبذلك تكون نواة لحكومة عالمية انسانية هكذا يقول العالم العلامة مؤلف
كتاب الإسلام السياسى
قلنا فى الاسبوع
الماضى ان الكتاب يدور حول محاورثلاثة اساسية اثبات أن الإسلام لا شأن له بالسياسة
وانه فقط دين روحانى واخلاقى وتجريح التجربة الاسلامية فى مجموعها ثم العريض
بالتيار الاسلامى والتحريض عليه واهالة الاتربة والاوساخ على وجهه وواجهته وفى
حدود ماهو متاح من مساحة عرضنا لآرائه فى الشق الأول وبقى أن نحاول قراءة
"نظرياته المبتكرة" فى الموضوعين الاخرين.
الحكومة الإسلامية :
لماذا ؟
فى الكتاب فصل بعنوان
"الحكومة الإسلامية" يشير فى بدايته فى أنه فى الأصل محاضرة القيت
بالإنجليزية مرتين فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة "؟" ثم فى اثنتين فى
الجامعات بالولايات المتحدة غير جامعتين اخريين فى السويد ومعهد الشئون الدولية فى
باريس علاوة على أن النص الانجليزى للمحاضرة نشر فى مجلة شئون الشرق الأوسط
الأمريكية وهى بالمناسبة مجلة يهودية معروفة بانحيازها المطلق لاسرائيل.
فى محاضرته تلك قال ان
هناك احد عشر سببا تكمن وراء دعوة "الفجار الأشرار" لاقامة حكومة
اسلامية بينها الاستعمار وإقامة دولة باكستان وانشاء اسرائيل والنفط " " والاحباط السياسى والتقنى هنا يذكر أن
البعض فى العالم الاسلامى وقد وصفهم بالسلبية والغباء اعتبر أن التكنولوجيا
"لعنة" لا سبيل لمواجهتها إلا باقامة الحكومة الإسلامية يضاف إلى هذه
الاسباب نجاح الثورة الإيرانية ثم السلوك الجنسى للغرب وخوف المسلمين منه مما
دعاهم إلى محاولة الاحتماء بفكرة الحكومة الاسلامية.
ورغم أن اكثر هذه
الاسباب يعد من قبيل الهزل الذى ينبغى الا يؤخذ مأخذ الجد الا اننا نلاحظ بأنه عزت
عليه الاشارة إلى أن هناك من يرى ضرورة اقامة ذلك النظام لانهم يعتقدون أو يتوهمون
أن التزامهم بدينهم يحثهم على ذلك.
وتعبير الحكومة
الاسلامية شئ غامض عند صاحبنا الجهبذ وغاية ما فتح الله عليه به استجلاء هذه
النقطة أن هذه الحكومة تعنى عند كثيرين من الغربيين اشهارا للسيف ضد غير المسلمين
وهو مالم ينفه أما عند اكثر المسلمين فإن التعبير ليس الا مركبا من ردود الأفعال العاطفية
والأمانى المرجوة أو أنه يتضمن احتراما شديدا لفترة حكم النبى والراشدين وميلا
عارما لاستعادة الماضى ونقصا شديدا فى معرفة تاريخ الانسانية وقصورا بالغا فى
التقدير وتحريفا واضحا للالفاظ (ص82)
هو يزعم أن الشريعة
تعنى عند غالبية المسلمين الفقه أو النظام التاريخى للاسلام الحظ الخلط بين كتاب
الله وسنة رسوله وبين اجتهاد الفقهاء وبين وقائع تاريخ المسلمين ويذكر أن
الاسلاميين فى دعوتهم تلك يقدمون بضعة امثلة لم تتكرر وبعض حوادث لم تتوال لكى
يؤكدوا ان الحكومة الاسلامية حكومة عادلة واخلاقية
وهو ما استكثره ػلينا
صاحبنا فاردف قائلا أن تلك الامثلة وليدة ظروفها نتيجة وجود شخصيات معينة ورعيل
بذاته يقصد النبى عليه الصلاة والسلام وعمر بن الخطاب بوجه خاص.
فى هذه النقطة يقول
العلامة المسلم إنه بعد وفاة النبى اصبح صديقه ابو بكر اول خليفة لاحظ التعبير
وبعد جيل واحد من وفاة الرسول اصبح الخليفة بالفعل والواقع امبراطورا أو قيصرا
واصبح الفقه السياسى الاسلامى يدور حول الخليفة وحقوقه كحاكم ولا يعطى الا القليل
جداً من الاهتمام لحقوق المحكومين وهو أن اعطى لهم حقوقا فهى حقوق نظرية بلا اية
حماية أو قوة وخلال التاريخ الاسلامى فإن التطبيق السياسى كان دائماً ضد مصالح
الناس وروح الإسلام.
لكى يطمئن الاعداء
فى جرعة أخرى من السم
عاد صاحبنا يقول اصبح الخليفة عند السنة بالفعل والواقع معصوما فى قوله وفعله مع
أن الإسلام ضد ذلك تماما وفى الشئون الداخلية كان الناس دائماً الا فى القليل
يعاملون كقطيع لا كمواطنين.
وحتى تكتمل الصورة
الشائهة ذكر صاحبنا أنه فيما يتعلق
بالتعليم والثقافة العالية فقد كان الخلفاء وبطانتهم حذرين جداً وفى الغالب اعداء
لاى تعليم شامل أو ثقافة رفيعة ولذلك فانهم وبخاصة ابان الخلافة العثمانية منعوا
التعليم الحقيقى وفرضوا الجهل ونتيجة لذلك قد اصبحت الأمية الحقيقية غالبة والأمية
الثقافية شائعة وهكذا فى حين ساد الجهل وانتشرت الامية فى العالم الاسلامى كان الغرب
يعيد بناء نفسه على اسس حضارية جديدة.
ولم تترك الفتوحات
الاسلامية بغير أن تلوث صفحتها وتلطخ فقد تعرض لها قائلا قد يقال ان الغرض من
الفتوح كان نشر الإسلام غير أن ذلك ليس حقيقة مطلقة فالمصريون ظلوا على دينهم لمدة
ثلاثة أو اربعة قرون قبل أن يتحول اكثرهم إلى الإسلام وفى الاندلس ظل كثير من
السكان مسيحين طوال الحكم الاسلامى الذى استمر سبعة قرون.
ولانه لا يريد أن
يبقى للمسلمين على فضيلة فقد اضاف أنه بينما فى هذا دليل قوى على تسامح المسلمين
فانه يقطع بأن الفتوح لم تكن كلها لنشر الإسلام فإذا كانت لهذا الغرض حقيقة فإن
المسلمين يكونون قد تراخوا فى مهمتهم فترة طويلة.
يضيف العلامة المسلم
فى محاضرته التى بثها فى اوروبا والولايات المتحدة أن فتوحات المسلمين قد تركت
اثرا سيئا فى نفوس الكثيرين وان بعض المؤرخين والمثقفين من غير المسلمين يقولون ان
حكم الغزاة المسلمين كان فى بعض الأحيان قاسيا ومتغطرسا وان غير المسلمين تحت
الحكم الاسلامى لم يكونوا مضطهدين لكنهم كانوا محلا لتفرقة بينهم وبين المسلمين
يباشرون شعائرهم الدينية ولكن ليسب لهم اية حقوق سياسية "ص87"
وبعدما اخبر
الاوروبيين والامريكيين بما يقوله بعض مؤرخيهم عن الغزو الاسلامى لم يفتح الله
عليه بكلمة واحدة فى تبيان حقيقة القسوة والغطرسة التى اتهم بها المسلمين ظلما
وعدوانا لكنه اختتم محاضرته النفسية بالعودة إلى اكذوبة خليفة الله التى يزعمها
وهنا ذكر أن معاوية بن ابى سفيان مؤسس ما اسماه بالامبراطورية الاموية وخلفاءه
الذين اغتصبوا السلطة وحولوها إلى وراثية كانوا بحاجة إلى تبرير شرعى لوضعهم فاتجه
الفقهاء إلى النظريات الغربية يفرغونها فى صيغ اسلامية لهذا الغرض وفقهاء المسلمين
فى كتاب صاحبنا كلهم خدم للسلطان ورهن اشارته ولذا فقد عزفوا عن الخوض فى نظام
الدولة وعلاقتها بالمحكومين واذا حدث وامتد اتهادهم إلى هذا النطاق صار تبريرا
لاعمال الحكام وبيانا لحقوقهم دون أن يتعرض لحقوق المسلمين وحاجات الشعوب واذا حدث
وتعرض لهذه أو تلك فعلى استحياء وباقوال نظرية لم توضع موضع التنفيذ (ص90)
وبعد أن اتم اغتيال
التجربة الاسلامية كلها على مدار 14 قرنا وقدمها بحسبانها صفحة سوداء بغير مأثرة
واحدة فى تاريخ البشرية وهو ما اطرب مستمعيه الغربيين بكل تأكيد اتجه إلى مسلمى
هذا الزمان ليصوب نحوهم ما تبقى معه من سهام مسومة وقال ان هؤلاء الذين يدعون إلى
الحكومة الاسلامية لا يدركون حقيقة دعواهم ولا ينتبهون إلى نتائجها ولا يعرفون
شيئاً عن حقيقة الظروف الاجتماعية التى كانت والتى هى فى حقيقتها مخالفة لروح
الإسلام ونص القران (ص90) بهذا طمأن صاحبنا مستمعيه وقراءه ان وجدوا إلى أن
الاسلاميين ليسوا سوى شريحة من حثالات البشر الذين لا يفهمون ولا يعرفون ولا امل
فيهم هو وحده يفهم ويدرك ما فات الكل فى الماضى والحاضر.
فى النظرية المباحثية
وقد ابى الكاتب أن
يترك الشق الخاص بالمسلمين المعاصرين دون أن يدلى فيه بكامل دلوه وان يشملهم
بنظرياته المبتكرة فى السياسة والقانون فقال أن ذلك التيار يمارس السياسة من خلال
الدين ويرفع شعارا غريبا شاذا على اسماعه وفكره هو الشريعة الاسلامية وطبقا
لنظرياته التى حقق فيها ودقق ولفق واجهد نفسه ليغير بها عقل الأمة وبصرها فإن
القسمات والاتجاهات الاساسية لهذا التيار فى مجموعة رصدها صاحبنا وحددها فى علامات
اربع هى :
تفويض النظام
القانونى بالقوة قلب نظام الحكم بالعنف نقض الوحدة الوطنية بالإرهاب هدم الولاء
الوطنى لمصر بالترغيب والترهيب.
اى أنه لم ير فى
التيار الإسلامى سوى أنه يضم عصابة تلك مواصفاتها التى فصلها على 13 صفحة من كتابه
وهو كلام لم يلق اعتباطا أيضاً ولكنه منهج التزام به المفكر الهمام من البداية الا
يرى فى الماضى والحاضر الا كل ما هو بائس وتعيس وكريه.
وهذه النظرية التى
ابتدعها صاحبنا فى رؤيته للتيار الاسلامى ليست جديدة علينا فأى مخبر من الدرجة العاشرة
يحفظها ويطبقها جيدا والكلام الذى ملأ به الصفحات الثلاث عشرة له اصوله فى سجلات
المباحث.
ولئن كان لهذه
النظرية المباحثية اصلها المعروف الا أنه اتبعها بنظرية أخرى لا نعرف لها اصلا.
يقول صاحبنا ان تيار
تسييس الدين احيا شيئاً اسمه القومية الاسلامية وقد عملت السعودية على تقوية هذا
التيار بانشاء منظمة المؤتمر الاسلامى لمقاومة التيار الاشتراكى الذى تزعمه الرئيس
عبد الناصر ملحوظة منظمة المؤتمر الاسلامى انشأها عبد الناصر فى القاهرة سنة 1955
وكان السادات اول رئيس لها.
يضيف أن تيار القومية
الاسلامية يمارس تحريفا وتلاعبا فى الدين مما يؤدى إلى "تدمير روح الإسلام
وتزييف جوهره وتبديل اهدافه لصالح القومية الجديدة والشعوبية العائدة" وعلى
حد قوله فإن اظهر القوميات المعاصرة حتى الان ثلاث من المرجح أن تتزايد فيما بعد
هى :
القومية الاسلامية
العربية تقوم أساساً فى البلاد العربية
القومية الاسلامية
الفارسية وهى قومية الفرس ومركزها ايران وان كانت قد انضمت اليها ليبيا على
المستوى السياسى فاصبح ثم محور اخر هو محور ايران ليبيا يهاجم القومية الاسلامية
العربية على اسس شعوبية فيصف اصحاب هذه القومية العربية بانهم قرشيون عنصريون لم
يمدنهم الإسلام وانهم ارتدوا إلى الجاهلية الأولى ولكى يوضح المؤلف الشق من
النظرية المبتكرة فقد ذكر أن جماعات تسييس الدين فى البلاد السنية وبينها مصر
تأثرت بشدة ببعض افكار هذا التيار الذى يفترض أنه معار فكريا له ومنها فكرة المهدى
المنتظر واسلوب التنظيم السرى للجماعات وعصمة الزعماء والادعاء بأن النظام السياسى
من صميم الدين "ص151"
ملحوظة فكرة المهدى
موجودة عند السنة منذ قرون وان استندت على احاديث ضعيفة والتنظيم السرى معروف فى
بلادنا من الاربعينيات.
القومية الاسلامية
الأفريقية وهى قومية ناشئة ظهرت فى الولايات المتحدة نتيجة الظروف التاريخية
والواقعية لاوضاع الامريكيين السود فيها ولم تزل تبحث لها عن ملامح واهداف (151).
لم يسمع صاحبنا بكل المعارك التى ما زالت مستمرة على عديد من الجهات بين بعض
الاسلاميين والقوميين لكنه قرأ و سمع فقط أن احد قادة تسييس الدين دعا فى
الاربعينيات إلى ما اسماه القومية الاسلامية(ص41) ورغم أنه احتفط بالاسم واعتبره
سرا طبقا للمنهج العلمى السديد الذى التزم به فى البداية فلم يسعه أن يذكر مصدرا
أو يوثق معلومة فاننا نرجح أن يكون صاحب هذه المقولة هو العلامة ابو الأعلى
المودودى الذى استخدم المصطلح وطرحه فى مواجهة دعوة القومية الهندوكية قبل انشاء
دولة باكستان وقد مات المصطلح بعد ذلك ولم يبعث الا فى اوهام صاحب الكتاب المريب.
تلك الروائح المريبة
ماهى حقيقة الرسالة
التى يحملها الينا الكتاب وما هو الإسلام الذى يدافع عنه مؤلفه بحماس جعله يسعى إلى
تشويه الماضى وتقويض الحاضر؟
يدعونا صاحبنا إلى ما
يسميه الاصولية الاسلامية الروحية والعقلية التى تعيد بعث الروح الانسانية وتعيد
تجديد الفكر الدينى وخاصة فى مسائل اربع هى :
تحديد النسل
والاهتمام بالكيف لا بالكم اعتبار العمل فرضا على كل فرد واشاعة القناعة ومكافحة
الحسد بين الناس اعتبار الاخلاقيات السليمة غاية كل فريضة اعتبار أن كل عمل لابد
أن يترابط بغيره ويتواشج بالمجتمع ويتناسج مع الانسانية لانشاء حضارة سامية سامقة
يكون الله سبحانه وتعالى قبلتها ويكون كل انسان فى العالم محورها ومركزها (ص19)
هو يرى أن المسلم
الحق هو : الذى يكون انسانا عالميا ينفتح على كل الحضارات ويتقبل كل المعارف
ويتفهم جميع الشرائع ويأخذ بنصيب من كل نهج (ص134) ومثله الاعلى فى ذلك صورة رسمها
اخوان الصفا فى القرن الرابع الهجرى وترى فى المسلم الكامل ان يكون عربى الدين
عراقى الأدب عبرانى المخبر مسيحى المنهج شامى النسك يونانى العلم هندى البصيرة
صوفى السيرة ملكى الاخلاق ربانى الرأى الهى المعارف.
أما الحكومة
الاسلامية الحقيقية التى يدعو اليها فهى اخلاقية روحانية تفتح الإسلام لكل انسان
وتجعل كل انسان مفتوحا للاسلام وبذلك تكون النواة الفعالة لحكومة عالمية انسانية
جديدة تجمع البشرية كلها فى جيل واحد محوره الله سبحانه وغايته الإنسان .. الإنسان
(ص 91)
يشم المرء فى هذا
الكلام رائحة محافل مريبة وتزداد استرابته عندما يلحظ حفاوة بعض الدوائر الغربية
به وحماسهم له رغم أنه صادر عن غير ذى صفة بين اهل العلم.
ولست فى موقف يسمح لى
باثبات هذه الظنون التى يمكن أن توضع تحت عناوين قد تتعدد بشأنها الآراء لكن الحد
الادنى الذى قد يتفق عليه هو أن صاحبنا بمرافعته الفاسدة ضد ما اسماه بالاسلام
السياسى فإنه اراد أن يستبدله بشئ مهلهل اسمه الإسلام السياحى ترى من يسلط امثال
هؤلاء على الإسلام والمسلمين؟
الأهرام 6/3/1988
عن الشريعة والشرعية فى مصر
ينص قانون الصحافة
على أن يكون المكتوب ضده – لا الكاتب – هو اخر من يتكلم ولاننا فى بلد يقوم على
سيادة القانون وحتى لا تحل الفوضى بدلا من القانون وتعم الأهواء عوضا عن القواعد
فإن المفروض أن تكون الكلمة الاخيرة لنا نحن فى الهجوم الضارى الذى شنه علينا
الاستاذ الكاتب الصحفى فهمى هويدى وهو الهجوم الذى انتقده الكثيرون واعتبروا أنه
حيود عن النقد الصحيح وزيوغ عن الأصول السليمة وانه مباشرة ما يسمى "اغتيال
الشخصية" أو "القتل بالقلم" يرمى به الكاتب إلى اغتيالنا ادبيا
وتصفيتنا جسديا بكل ما وسعته الحيلة وما سمحت به اوضاعه وما خولته اتصالاته.
إذا كان من حقنا الرد
على مقاله المنشور بتاريخ 1/3/1988 فاننا نرد بما يلى:- أولاً جنح الكاتب إلى أن
يزج معه فى عدوانه وافتراءاته جهات حكومية ومؤسسات رسمية وهو امر بالغ الخطورة
خاصة مع تداعياته المروعة ورط فيه غيره كما ورط صحيفته ولو كانت حجته تستقيم
بذاتهااو كان قوله يصدق وحده لما احتاج إلى من يشد ازره ويعضد موقفه هذا إلى أن
ينبغى على الجهات الحكومية والمؤسسات الرسمية أن تتحرز فلا تقع فى خطا المجاملة
الكاتب أو أن تصبح مخلبا لاخر . وانما عليها أن تصدر فى تصرفاتها طبقا للقواعد
القانونية ووفقا للاجراءات الرسمية حتى يرد عليها صاحب الشأن من خلال ذات القواعد
واتباع نفس الاجراءات ومالم تنتبه هذه المؤسسات وتلك الجهات إلى ذلك فإن ما
يصدر عنها يعد عملا غير قانونى، قد يعرضها
للمساءلة الجنائية والمدنية.
ويقتضى واقع الحال أن
نذكر الكاتب وغيره والقراء جميعا بما كتبه (الكاتب) فى صحيفته تلك عما اسماه
بالمؤسسة الاسلامية لتستقيم الاوضاع وتكتمل الصورة ويحق الحق فالكاتب يقول بتاريخ
3/12/1986 ما نصه يصنف الفقهاء ضمن "المؤسسة الاسلامية" ويصنف الاخرون
تحت عنوان "الحركة الاسلامية" ولا تعجب من نمو الحركة الاسلامية فى غير
تربة المؤسسة الاسلامية فمنذ دخلت الاخيرة فى رحاب السلطة تراجع دورها فى القيادة
والريادة الأمر الذى باعد بينها وبين تفاعلات الشارع الاسلامى وحصر دورها فى مهام
التوجيه الدينى العام الذى لم يتجاوز حدود الوعظ والارشاد وعندما حدث الصدام فى
مصر بين السلطة والحركة الاسلامية ودت المؤسسة نفسها تلقائيا فى مربع السلطة مما
أحدث فجوة بينها وبين فصائل الحركة الاسلامية تكرست وتعمقت بمضى الوقت خصوصا فى ظل
التوترات المستمرة بين الاسلاميين والسلطة لقد كتبت من قبل فى "محنة
الازهر" الذى تنحى عن دروه الريادى وبات يعيش فى ازمة البحث عن دور أو وظيفة
وجاء ما يسمى "بالتطوير" فلا هو ابقى على رسالته التقليدية ولا هو هيأه
لدور جديد وظل التصاقه بمحيط السلطة يحكم مساره وحركته وكان من نتجية هذه
الملابسات أن فقد الازهر حصانته فلم يستطع أن يصد أو يقاوم زحف مختلف الأمراض
الاجتماعية التى حلت بواقعنا ورغم رفعة مقامة وخصوصية اهله ورغم جهود الفقه التى حاولت
أن تحمى حصنه الا أنه صار "مؤسسة" لا تختلف كثيرا عن بقية المؤسسات
القائمة فاصابه ما اصابها حتى مالت فيه كفة السلب عن الايجاب وصار العثور على فقيه
متمكن يشرف الازهر وما يمثله فى الضمير العام امرا لا يخلو من مشقة ومهمة فى البحث
تحتاج إلى منظار مكبر وبتاريخ 23/12/1986 كتب فى مقال عنوانه "فقهاء البنوك
مانصه" تجربة اثبتت أن انتفاع اغلبية اولئك الفقهاء من المؤسسات الاقتصادية
جار على استقلالهم المطلوب وان الاقلية التى استغلت إذا كانت ترضى الله بما تقول
وفعل الا أنها وضعت نفسها موضع شبه هى فى غنى عنه ان ستة من اعضاء مجمع البحوث
الاسلامية اعلى هيئة فقهية فى مصر، يعملون مستشارين للبنوك. وهكذا يبدو مما سلف
رأى الكاتب الواضح الصريح فيما سماه "المؤسسة الاسلامية" بنص كلماته
التى يحرض فيها هذه المؤسسة على الانفصال عن السلطة (أى الدولة) ويزين لها
الانضمام إلى ما سماه الحركة الاسلامية حتى لا يغلب فيها السلب على الايجاب ولكى
لا ينشر اسماء الفقهاء الذين يعملون للبنوك الاسلامية ومن جانب اخر يبدو من صميم
الفاظ الكاتب أنه يطلق جملة "الحركة الاسلامية" ولفظ
"الاسلاميين" على الذين اصطدموا بالسلطة ، وما زالت علاقتهم بها محل
توتر اى جماعات الاخوان المسلمين والتكفير والهجرة والجهاد وغيرها مما شاكلها
فالحركة الاسلامية – فى تقديره – على صفحات جريدة قومية – مقصورة على هذه الجماعات
وحدها واعضاؤها – دون غيرهم هم الاسلاميون أما من عداهم فهم غير مسلمين أو كفار
وبعد ذلك يتحامى الكاتب بالمؤسسة التى هاجمها بقسوة ويحتج علينا ان نحن وصفنا من
يحرض هذه المؤسسة على الدولة ويصف المسلمين بانهم كفار بوصف الفجار ولفظ الفجار
هذا من مفردات القرآن الكريم "إن كتاب الفجار لفى سجين" (المطففين 83
:84) وهو يعنى السادر فى المعاصى أو يعنى الكذاب أو المائل عن الصواب (يراجع لسان
العرب)
قضية الخلافة
ثانيا – يعرف كل قارئ
ذكى واع أن الكاتب وان زعم أنه معتدل مقدام فانه فى الحقيقة ضد ذلك تماما فهو يدس
السم فى العسل ويخلط الفتنة بزخرف القول ، ويدعى أنه المتحدث باسم الدين وانه
المعبر عن الجهات الحكومية والمؤسسات الرسمية وهو فيما يكتب يضع لنفسه دائماً
خطوطا للرجعة ان حوسب أو سوئل كما أنه يعمى بعض العبارات ويجعل بعض المعانى يلؤولها
حسبما يريد حين يشاء وفى مقال له بتاريخ 15/2/87 كتب بالنص "من قبيل ما نحسبه
يحتاج إلى المناقشة والمراجعة" ذلك التصريح الذى اعلنه وزير الداخلية المصرى
اللواء زكى بدر امام مجلس الشعب والذى قال فيه ان هناك اناسا فى مصر يريدون اقامة
الخلافة أو اعادتها وان هذه الخلافة لن تكون ولان الخلافة (كما يقول الكاتب) فى
الضمير العام تعد رمزا للتطبيق الاسلامى فإن ظاهر كلمات وزير الداخلية يوحى رفض
ومصادره هذه الدعوة اننا نحسب أن فى مثل ذلك الاعلان مخالفة سياسية ودستورية من حق
وزير الداخلية أن يعترض على اسلوب غير مشروع ولكن ليس من حقه أن يعلن اعتراضه لى
اى هدف سياسى مشروع واولى بالتحفظ واجدر أن يتعلق الامر بحلم سياسى مشروع يراد بعض
المسلمين فى بلد ينص دستوره على أن دينه الرسمى هو الإسلام وان شريعة الله هى
المصدر الرئيسى للتقنين فيه.
هذه هى نص كلمات
الكاتب التى حاول أن يتنصل منها بذكر فقرة كتبها فى نفس المقال من قبيل التحسب
والتحوط – كدأبه دائماً- إذا ما سوئل أو حوكم وبهذه الكلمات يحاسب الكاتب (بمقتضى
الحق الالهى) السيد وزير الداخلية على ما قاله أما مجلس الشعب دون أن يرجع فى ذلك
إلى المضبطة التى طالب منا أن نرجع اليها ونحن فيما كتبنا لم نكن نحاسب الوزير أو
اعضاء مجلس الشعب لكننا كنا نشير إلى اتجاه الكاتب فى التعابث بلفظ الإسلام
والتخابث بمعنى الشريعة ليحقق اغراضا قال انها مشروع يرواد بعض (لاكل) المسلمين
وهو فى الحقيقة اتجاه يهدف اليه التيار الذى يقصر الكاتب الحركة الاسلامية عليه
وحده ويدعى أن افراده هم الاسلامين.
واذا كان الكاتب
يعتقد كما جاء فى نص كلماته أن الخالفة من الإسلام وانها هى الشريعة وان الدستور
المصرى ينص عليها ضمنا ومن يقول بغير ذلك
يقترف مخالفة دستورية فلماذا يتنصل بعد ذلك من رأيه؟ ولماذا لا يقف دون قوله جريئا
واضحا صريحا ؟ ولماذا ينكر اليوم ما ذكره بالامس ويتذرع بفقرة دسها فى مقاله
ليتشبث بها وقت الحساب؟
انه من العجيب أن
الكاتب فى مقاله ذاك ذكر جمله "وزير الداخلية" خمس مرات-كما ذكر اسمه
ورتبته فى عمود واحد وبضعة اسطر ثم ينعى نفس العدد ولعله فى الحقيقة ياخذ علينا
اننا ذكرنا لفظ السيد قبل لفظ الوزير وهو امر من اداب الكتابة ولياقات الحديث التى
يدعو لها الإسلام ومع أن الكاتب حاول اغتيال شخصيتنا والترحيص على تصفيتنا جسديا
فاننا نسبق اسمه دائماً بلفظ الاستاذ.
ثالثا – يتلون الكاتب
بين مقاله وارخرى بصورة شديدة قد لا يتنبه لها القارئ الذى ينسى مقالاته بعد أن
يقرأها وقد كنا نرجو له أن يثبت على رأى وان يقف عند قول فلا يقفز بين الاراء ولا
يتذبذب بين الأقوال حتى يمكن لنقده أن يستقيم وللحديث معه أن ينتهى ذلك أن احد
اوجه الخلاف بيننا وبينه بل وبين المستنيرين جميعا والمتطرفين كلهم هو وجه الخطاب
فى الآية الكريمة "ومن لم يحكم بما انزل الله فألئك هم الكافرون" فنحن
نرى طبقا لمنهج ابن عباس (حبر الامة الاسلامية) الذى اقره الصحابة جميعا ووفقا
لاسلوب تنزيل القران وتبعا لقول النبى (صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم) واراء
ائمة المفسرين – نرى أن هذه الاية تفسر على خصوص تنزيلها اى تبعا لاسباب التنزيل
وانها من ثم تتعلق باهل الكتاب ولا خاطب بها شخص مسلم أو شعب مسلم لكنه ومن معه
يصرون على أن هذه الاية خطاب للمسلمين (على عموم الفاظها) وقصد بذلك رفع دعوى
التكفير التى تتهم الشعب المصرى وغيره والحكومة بالكفر وتبرر من ثم تفويض الشرعية
كى يصلوا إلى الحكم فيحكموا على ما يزعمون بما انزل الله، وبهذا يرتفع الكفر عن
الشعب والحكام.
وفى مقال بتاريخ
26/1/1988 قال الكاتب ان منهج ابن عباس مقصور على تفسير الايات المتشابهة فى القران
فى حين أن منهج الخوارج (تفسير القرآن على عموم الالفاظ) يختص بالآيات المحكمة،
ولما انتقدنا هذا التأرجح بين منهجين واثبتنا خطأه عاد فى مقاله الاخير (1/3/1988)
ليقول ولان لكل اية سببا نزلت من اجله فتعميم ذلك المنهج المفتعل والمنسوب إلى ابن
عباس زورا وبهتانا يقودنا إلى نتيجة لا نعرف أن كان المؤلف قد سعى اليها أم لا وهى
أن القران كله قد استنفذ غايته، وانتهت حجته وانقضت احكامه بمجرد انتهاء اسباب
النزول، فهلا استقر الكاتب على رأى لنعرف يقينا ما إذا كان يرى وجود منهج ابن عباس
أم أنه اصبح يعتقد أن هذا المنهج نسب إلى ابن عباس زورا وبهتانا ولماذا اقر هذا
المنهج من قبل لتفسير الايات المتشابة.
المناهج والتطبيقات
ان ابن عباس لم يضع
(أو يؤلف) منهجه ، وانما كان قوله به كاشفا للحقيقة ومقررا للواقع القرآنى وهذا
المنهج مذكور فى كثير من كتب الفقة نقتصر على ذكر واحد منها هو كتاب اصول الفقة
للاستاذ الشيخ عباس متولى حمادة الطبعة الثانية ص 62.
وما يقوله الكاتب فى
نهاية فقرته السابقة مغالطة واضحة أو فهم خاطئ فانته蜧ء اسباب النزول لا يعنى أبداً
أن القران قد استنفد غايته وانتهت حجيته وانقضت احكامه لقد عاد الكاتب بهذا القول
إلى الاسلوب الارهابى الفظيع ليخيفنا ويستعدى علينا بمغالطة مفضوحة ذلك أن انتهاء
اسباب النزول يعنى انتهاء التنزيل واكتمال القرأن ولا يعنى تجريده من حجيته كما
يقول لقد استمر نزول القران ما استمرت اسباب التنزيل وعندما انتهت هذه الاسباب وقف
التنزيل واكتمل القرأن واصبحت اسباب التنزيل شرطا لتفسير الآيات.
كما ذكر الكاتب فى
رده على الدكتور عبد العظيم رمضان – بتارخي 23/2/1988.
وما دام سبب التنزيل
شرطا للتفسير أو احد شروطه فلماذا يهدر بعد ذلك ويحدث تنكب له لقد ذكرنا فى رد
سابق عدة آيات تؤكد وجهة نظرنا وقد حذفت من المقال عند نشره ربما لضيق المساحة.
بيان اسباب التنزيل
(التى وضعت فيها كتب باكملها اشهرها كتاب الواحدى) هذه الاسباب ضروريةلاستكناه قصد
الله سبحانه وتعالى وماذا كان يوجه الخطاب (أو التكليف) للمسمليمن أو لغيرهم، فإن
كان الخطاب (او التكليف) للمسلمين التزموا به وصار حكما ويكون عموم اللفظ عند
التمسك به مقصورا على المخاطبين بالحكم أو القول وحدهم دون سواهم وان كان الخاب
لاهل الكتاب اقتصر عليهم وحدهم ويكون عموم اللفظ مع التمسك به مقصورا عليهم دون أن
يمتد إلى المسلمين فقاعدة عموم اللفظ حتى مع صحتها لا تلقى خصوص التنزيلانما هى
تجئ بعد بيان سبب التنزيل وتحديد المخاطب بالية واذ كان الكاتب يقول أنه لا يختلف
اثنان فى أن اية "ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون" نزلت
فى اهل الكتاب فإن مؤدى ذلك أن الله سبحانه قصد أن يقصر الحكم على هؤلاء وعلى من
يريد تعميم اللفظ أن يلتزم قصد الجلالة (سبيل التنزيل) فيعممه على من نزل فيهم
الحكم وقصد اليهم الله سبحانه ومد الحكم إلى غير هؤلاء تحريف لمقاصد الله وتمسك
بدعوى التكفير والقوانين، الحديثة اصبحت مفصلة ومحددة بحيث ينص القانون، دائماً
على اشخاص المخاطبين به والملتزمين باحكامه، ونطاق سريان قواعده و ما إلى ذلك
والحاكم ورجال القانون عموما يستطلعون عن قصد المشرع عند تطبيق اى نص ولا يجوز
مثلا تعميم حكم وارد فى قانون الكسب غير المشرع على غير المخاطبين به وهم العاملون
فى اجهزة الدولة وغيرها ممن حددهم المشروع وكذلك لا يجوز تعميم حكم وارد فى قانون
محاكمة الوزراء على غير الوزراء وثمه رأى بين عدد كبر من رجال القانون على أن
المادة 48 عقوبات تختص بالاتفاقات الجنائية فى الجراءم السياسية وحدها اخذا بظروف
وضع النص (لا قصد المشروع الذى استهدف تطبيقه على اى اتفاق جنائى) ولولا أن هذه
مسألة قانونية متخصصة لافضنا فى بيان الامثلة التى قضت فيها المحام على نحو معين
بعد استطلاع قصد المشرع.
رابعا : عاد الكاتب
إلى طبيعته وسقط عنه القناع تماما فلجأ ثانية إلى الارهاب الفكرى واغتيال الشخصية
والقتل بالقلم، حين اعتسف تفسيرا لاقوالنا وزعم اننا نعتبر الدعوة إلى تطبيق
الشريعة تحديا للشريعة فى مصر والبلاد العربية والاسلامية ثم اضاف أن الشريعة
عندنا "غير شرعية" وهذا هو الافك بعينه ذلك لأن رأينا واضح وصريح فى كل
ما نكتب ونقول من أن الشريعة فى القرآن الكريم تعنى المنهج أو الطريق أو السبيل
وان احكام الشريعة (الواردة فى 80 اية)
يتصل اغلبها بالأحوال
الشخصية والمواريث وهى مطبقة فى مصر وانه لا يوجد بين القانون المدنى فى مصر
واحكام الشريعة أو الفقه الا خلاف يسير يمكن التجاوز عنه بالاجتهاد وان فى القرأن
اربع عقوبات (حدود) هى حد السرقة وقذف المحصنات والزنا (وهو الجلد) والحرابة (قطع
الطريق) وعقوبة قطع الطريق أو السرقة بإكراه (الحرابة) فى القانون المصرى ما بقية
لما ورد فى القرآن وحد الزنا كما يقول بعض العلماس مستحيل التطبيق. والشعارات تدور
فى الحقيقة حول حد واحد هو د السرقة وهو حد لابد أن يسق تطبيقه تحقيق العدالة
السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية حتى لا يسيئ التطبيق إلى الإسلام، كما
حدث فى تطبيق السودان اننا فى الواقع وبالأدلة العلمية نرى أن ااك الشريعة والفقه
مطبقة فى مصر وان الشرعية فى مصر تقوم بالفعل على الدين وتحتوى احكام الشريعة. ومن
ثم فنحن نعارض الشعارات التى تقوم على الجهل أو التجاهل وترفع خطأ وزورا وشغبا
لافتات بضرورة تطبيق الشريعة وكفرالمجتمع والحكومة مع أن الشرعية مطبقة بالفعل
وعلى من يعارضنا سواء كان الكاتب أم غيره أن يقدم امثلة محددة لا مجرد شعارات واذا
كان الكاتب أو غيره من اضرابه ومشايعيه يعتقد أن النظام السياسى فى مصر وغيرها غير
شرعى لعدم قيام الخلافة وان النظام القانونى غير شرعى كذلك لعدم تطبيق الشرعية
فعليه أن يعلن ذلك بوضوح وصراحة
خامسا –واضح من
مقالاتى فى الرد على الكاتب انى لم اتهمه بالتشيع وانما قلت انه يعتقد اعتقاد
الشيعة فى أن الامامة أو الخلافة ركن من الدين وقسم من الشريعة. ورغم أنه فى مقاله
الاخيرة نفى ذلك بعبارات حشرها فى مقاله الأخير نفى ذلك بعبارات حشرها فى مقاله
بتاريخ 15/12/1987 فإن الواضح من نص الفاظه السابق بيانها عشكس ما ينفيه الان
واعتقادى أن شجاعة الرأى وسلامه العقيدة تقتضيان الا ينكر الكاتب ما قال والا
يتنصل مما كتب.
ولقد ذكر الكاتب أنه
يكن احتراما لمعتدلى الشيعة من الامامية (وهى الفرقة التى توجد فى ايران) ونحن
نرجو الال يكون هذا الاحترام بسبب علاقات شخصية أو نتيجة لاتصالات سياسية فإذا صح
ما نرجوه كان لنا أن نتطلع إلى أن يبين لنا الكاتب الحدود الفاصلة فى كتاباته فى
الصحف القومية وغيرها بين الأراء الشيعية والأراء السنية حتى يتحقق للشعب بوضوح
ماذا كانت كتاباته تهدف إلى نشر سياسه الاتجاه الشيعى أم ترمى إلى نصره فقه
الاتجاه السنى.
واخيرا فلقد قال
الكاتب ان حديث الافك لا يزال مستمرا ولا شك أن هذا الحديث مستمر وانه سوف يظل
مستمرا طالما ود المراءون للناس المتاجرون بالشعارات المثيرون للفتن الخائفون من
الحق العاملون فى الظلام المحرفون لكل كلام المتنصولن مما يعتقدون.
بهذا المقال الذى
استخدم الكاتب فيه حقه القانونى فى الرد وافسح له الاهرام صفحاته اعمالا لهذا الحق
نصل إلى ختام هذا النقاش الجدالى ونغلق باه أن كان ذلك لا يعنى بحال انتهاء النقاش
فى القضايا التى تهم جموع المسلمين وغيرها من القضايا الرئيسية التى تهم امتنا
العربية والاسلامية.
اخلاقيات الإسلام
الاهرام 29/2/88
رددنا فى مقال سابق
على بعض النقاط التى اثارها الكاتب الصحفى الاستاذ فهمى هويدى فى هجومه على كتابنا
"الإسلام السياحى" الذين نشرا فى جريدة الاهرام بتاريخى 19 يناير 26
يناير 1988 ونعرض فى هذا المقال لنقاط أخرى.
ثالثا – يقول الكاتب
اننى اتشبث باسنانى واظافرى بمنهج ابن عباس فى تفسير القران ولست ادرى ما وجه
العجب وسبب التهكم فى ان نتشبث بمنهج معين لابن عباس أو غيره إذا كان ذلك من العلم
وان يحفظ القران واياته من أن يعبث بتفسيرها ذو الأرض السياسية والحزبية والكاتب
يعلم أن ثمة تيارات واحزاب تقوم فى مصر – وغيرها – على مجرد رفع شعار واحد غامض
وعلماء اصول الفقة جميعا يفخرون – وحق لهم أن يفخروا بمنهج واحد هو المنهج الأصولى
والمسلمون جميعا يدلون على الحضارة العالمية التى بدأت فى الغرب ثم انتشرت فى
العالم اجمع بأنها تقوم أساساً على منهج واد هو المنهج الاصولى الذى نقله إلى
الغرب فرنسيس بيكون فيما يعرف باسم "المنهج التجريبى الجديد" والحضارة
المعاصرة كلها فى التقدير الصحيح قامت على اساس هذا المنهج وهو منهج واحد ولم
يتفكه احد ليقول ان اصحاب الحضارة تشبثوا باسنانهم واظافرهم بمنهج واحد لا غير أن
منهجا واحدا صحيحا كفيل بابتناء حضارة سامقة وصيانه الإسلام من اى عبث أو تلاعب أو
تجاهل واللامنهج أو "ضد المنهج" فوضى كافية لهدم اى حضارة وسبيل لاحداث
الفتن فى الإسلام.
ومنهج ابن عباس فى
تفسير القران وهو المنهج الذى اقره الصحابة جميعا لانه تقرير للواقع يفسر ايات
القران بعد معرفة اسباب نزولها وعلى اساس هذه الاسباب نفسها التى تعد بمثابة مذكرة
تفسيرية للنص واول من خالف هذا المنهج السديد كان الخوارج الذين كانوا اول من
اقتطع ايات من السياق القرآنى وفصلها عن اسباب نزولها وفسرها على عموم الفاظها ومن
اجل ذلك قال عبد الله بن عمر فيهم هم شرار خلق الله انهم انطلقوا إلى ايات انزلت
فى الكفار فجعلوها على المؤمنين وبعد الخوارج قام الفقهاء فى عهود الظلام الحضارى
والانحطاط العقلى بتنظير هذا الاتجاه فى قاعدة تقول "العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب" وبمقتضى هذه القاعدة تغير تفسير كثير من ايات القرآن واصبح من
الجائز لاى جماعة ولاى فرد أن يستعمل اى آية قرآنية على عموم الفاظها لا على خصوص
تنزيلها وتبعا للتركيب اللفظى وحده أو التكوين اللغوى دون سواه وان نتيجة ذلك أن
يختلف المسلمون فى تفسير بعض الآيات كل يفسر حسب فهمه أو غرضه.
والكاتب (المهاجم)
يرى أن من نهج ابن عباس فى فهم القرآن وتفسيره "لا ينصب على عموم آيات القرآن
ولكنه يخص الآيات الموصوفة بالمتشابهات، وهى غير المحكم من آيات الله ، وقد نهى
عامه المسلمين عن الخوض فى تلك المتشابهات حتى لا يخطئوا فى تأويلها" وبهذا
يكون الكاتب تمسكا بالباطل وفى سبيل الغلبة وحتى لا يقر بالحق قد خالف كل الفقهاء
والعلماء على مدار التاريخ الاسلامى وابتدع بدعة غريبة وشاذة هى أن يقوم تفسير القرآن
على منهجين وهو ما لم يحدث من قبل أبداً فجعل منهج ابن عباس (تفسير الآيات على
خصوص اسباب التنزيل) خاصا بالآيات المتشابهة وجعل منهج الخوارج (تفسير الالفاظ فى
عموم الفاظها) خاصا بالايات المحكمة غير أنه لم يحدد لنا المحكم والمتشابه من ايات
القران خاصة وانه لابد يعلم أن فى ذلك خلافا كبيرا بين علماء التفسير.
ان ذلك التردد
والاهتزاز والتأرجح بين منهجين دون ضابط سليم أو ميعاد محدد هو الذى ادى بالكاتب
إلى أن يضطرب فى تفسير الآية الكريمة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون) فبينما يقول ان الآية (وما تلاها) نزلت فى اهل الكتاب يعود فيقول : لكن
كافة المفسرين والراشدين من المسلمين اعتبروها احكاما عامة وبذلك يكون قد ارتكب خطأ
استعمال المنهاجين فى تفسير أية واحدة.
رابعا – يقول كاتب
المقال أن المقولة الاساسية فى كتاب الاسلام السياسى أن الإسلام دين وعبادة واخلاق
لا علاقة له بشئون الحكم والسياسة ثم يضيف أن الحكم عن الإسلام بمثل ذلك المنطق يفرغ
الرسالة من مضمونها ويلغ مبررا من الاساس وهذا هو "مربط الفرس" ومكمن
الداء ومقطع الخلاف بيننا وبينه وهذا بالضبط – ما ادى به إلى التحامل الشديد
والهجوم العنيف والخروج على كل الأصول.
ان الكاتب المهاجم
يعتقد – كما يعتقد الشيعة والمتطرفون أن
الخلافة أم الامامة ركن من اركان الدين وانها جزء من الشريعة وان الدين سياسة
والشريعة حزب وكل من ألا يعتقد اعتقاده فهو خارج عن الإسلام موصوف بابشع الاوصاف
مرمى باقصى التهم ثم انه بهوس محاكم التفتيش مجرد من اسمه وعلمه مركزه وجنسيته
ودينه والكاتب بذلك ومن طرف خفى يتهم الشعب المصرى كله بل والشعب العربى (الا
قليلا) وهم جميعا من اهل السنة بالخروج عن الدين والمروق من الشرعية ويتوعد اى
مدافع عن الحق باحكام محاكم التفتيش ونتائجها الدموية ومن جانب أخر فإن الكاتب يرى
أن الحديث عن روحانيات الاستلام واخلاقياته دون السياسة الحم يفرغ الإسلام من
مضمونة ويلغى مبرره من الاساس فالاسلام عنده سياسة واحزاب وحروب وفتن وصراعات وقتل
وارهاب أما الاخلاقيات والروحانيات فهى امور غير اساسية لان الحديث عن الإسلام
بمنطق الاخلاقيات والروحانيات يفرغه من مضمونه ويلغيه من الاساس هذا مع أن النبى
(صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم) يقول "انا نبى الرحمة" ، ويقول
"بعثت لاتمم مكارم الاخلاق".
ولمثل منطق الكاتب
كتبنا ونشرنا كتابنا "الإسلام السياسى" لكى نؤكد أن للاسلام علاقة بشئون
الحكم والسياسة خلافا لما يدعيه علينا الكاتب) ولكن بمفهوم غير مفهوم الخوارج
والتطرف فأى دولة فى حاجة إلى حكومة لكن اعمال الحكام وافعال المعارضة اعمال
وافعال بشرية ليست دينية بحال وقد جاء فى الكتاب أن من بدائه الامور أن اى مجتمع
يحتاج إلى حكومة بل ان اى مجتمع بحاجة إلى حكومه بل أن اى جماعة ولو كانت من ثلاثة
افراد فى حاجة إلى رئيس أو امير أو قائد.
ومناط البحث ليس فى
ضرورة وجود حكومة وهو امر ضرورى – بل فى شكل وطبيعة هذه الحكومة هل هى حكومة تتركز
فى فرد له سلطة مطلقة أم تقوم على نظام دقيق ومؤسسات محددة هل يكون الحكام علماء
فى الدين "كايات الله" أم أنه يمكن لاى مسلم صالح أن يكون حاكما خاصة مع
قيام المؤسسات فى نظام الدولة الحديثة هل يكتسب الحكام عصمة وقداسة دينية أو
واقعية أم يعدون افراد من البشر غير معصومين ولا مقدسين ولا مميزين؟ هل تكون
الحكومة مسئولة أم الشعب أم أن مسئوليتها لا تكون الا أمام الله فى الحياة الآخرة؟
واذا ان الكاتب
المهاجم لا يرى أن الروحانيات والاخلاقيات اساس الإسلام مع أن اكثر ايات القران
واحاديث النبى (صلى الله عليه وسلم الله) تتعلق بها وتنصب عليها فكيف تعد السياسة
والحزبية أساساً للاسلام بينما لم يرد فى القرآن اى نص عنهما (بالمعنى الذى يقصده
الكاتب؟" وهل نتبع القرأن أم الهوى ؟ هل نقتفى اثر النبى أم نسير خلف
الطواغيت؟
ان السياسة ضرورة
للمجتمع والحكم لازم له غير انهما اعمال بشر واعتبارهما ركنا من الدين أو جزاء من
الشريعة تعابث وتخابث يفتح بابا كبيرا للفتن والاضرابات والصراعات والحروب
والخلافات والقلاقل بالمعارضة لروح الاسلام وعلى الضد من نصصه الواضحة القاطعة
الصريحة اذ يجيز لكل زاعم أن يزعم أنه وحده دون سواه هو الذى ينفذ حكم الله ويطبق
شريعته فيوحى بأن ما يصدر عنه عمل دينى وبذلك تختلط السياسة بالدين ثم تغلب
اخلاقيات السياسة الواقعية والانتهازية مثاليات الدين وترفعاته.
ولقد اجرى الكاتب
مقارنة بيننا وبين الشيخ على عبد الرازق ولا ندرى هل فهم من كتابنا اننا نتبنى
نظرية فضيلته أو نؤيدها أم أنه تعمد الخلط ليسقط علينا ما تعرض له فضيلة الشيخ حين
صدر كتابه "الإسلام واصول الحكم" من غضب القصر الملكى "الطمع فى
الخلافة" واشياعه واتباعه وباقى المنافقين؟ ان الشيخ على عبد الرازق يقول
كتابه ذاك ما مفاده أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان مبشرا وهاديا ونذيرا وانه
عندما مارس الحكم فى المدينة حكم كملك لا كنبى بينما يتضح من كتابنا اننا لم نقل
ذلك بل ان رأينا يختلف تماما عن رأى فضيلة الشيخ فقد جاء فى كتاب الإسلام السياسى
عندما ساس النبى (صلى الله عليه وسلم) امور المؤمنين كان يفعل ذلك بارشاد الوحى
ورقابته فى كل قول أو فعل اوتصرف فحكومة النبى حكومة من نوع خاص جداً انها حكومة
الله وهى حكومة تؤسس على كل القيم الدينية والمبادئ الاخلاقية ولا تجنح أبداً إلى
اخلاقيات السياسة وسلوكياتها انها حكومة من نوع خاص لا توجد الا حيثما يوجد نبى
ولا نبى بعد محمد (صلى الله عليه وسلم) هذا هو رأينا وهو يختلف تماما عن رأى الشيخ
على عبد الرازق.
والكاتب المهاجم
يتهكم وهو يقول عنا : ان الحكومة الاسلامية الحقيقية التى يدعو اليها – هى اخلاقية
روحانية تفتح الإسلام لكل انسان وتجعل كل انسان مفتوحا للاسلام وبذلك تكون النواة
الفعالة لحكومة عالمية انسانية جديدة تجمع البشرية كلها فى جيل محوره الله وغايته
الإنسان ثم يشتم الكاتب فى ذلك ما لم تشتمه انوف غيره من البشر من روائح المحافل
ولولا أن المجال يضيق لافضنا فى بيان ما فى صياغات الكاتب من تناقضات ومغالطات فمع
أنه يعتبر السياسة والحكم ركنا من الدين وجزءا من الشريعة ومع أنه على ما نعتقد
يعرف أن الإسلام دين عالمى. فلماذا تكون الحكومة ضرورة دينية (معصومة لانها تطبق
حاكمية الله) حين يقتصر الامر على مصر أو غيرها من البلاد الاسلامية ولا تكون
ضرورة أن كانت انسانية عالمية لدين هو انسانى عالمى؟ اليس الإسلام عالميا اليست
الحكومة ركنا منه وجزاء فيه (كما يعتقد الكاتب) فلماذا لا تكون حكومة الإسلام
عالمية اذن؟
والكاتب نفسه عندما
ناقش الإسلام بالمنطق السياسى قصره على حكومة محلية فى مصر أو فى غيرها ربما لأن
هذه الحكومة قصارى اطماع البعض وحدود قدراتهم وانكر ما فى الإسلام من اخلاقيات
وروحانيات وهو بالضبط عكس ما يدعو اليه كتابنا فهل رأى الناس فى أى عصر أو اى مصر
انسانا يهاجم بضراوة وشراسة لانه دعا إلى الاهتمام بالروحانيات والاخلاقيات وماذا
يكون اذن من يدعو إلى الماديات والاخلاقيات.
احسب أنه ان الاوان
لان نغادر نقطة الصفر التى وقفنا عندها لعدة اسابيع خلت تلك النقطة التى ارتد إلهيا
الحوار حول المشروع الاسلامى والشريعة فلم يتناول معالم المشروع. ولكيفية تطبيق
الشريعة انما تقهقر مائة خطوة إلى الوراء ليدور حول ما إذا كان هناك مشروع اسلامى
أم لا وعما إذا كانت هناك شريعة أم لا.
لقد جرنا صاحب كتاب
"الإسلام السياسى" إلى هذه النقطة بمختلف تداعياتها فكتب ما كتب محاولا
التنبيه إلى خطورة تلك الدعوة ملابسات الترويج لها فى داخل مصر وخارجها وعنيت
بالعرض اكثر مما عنيت بالمناقشة لاسباب ذكرتها فى حينها وافى تنصب اساساً على
القيمة العملية للكتاب.
فى مقابل ذلك فقد نشر
"الاهرام" مقالين لصاحب الكتاب ورد فيهما على ما عرضته وانفقنا فى ذلك
اسابيع اربعة امتد فيها الجدل واحتد حتى لم يعد استمراره مفيدا للمتحاورين أو
للقراء بعدما بسط كل رأية امام الكافة.
وفضلا عن هذا وذاك
فاحسب أنه لم تعد هناك جدوى من اجراء مزيد من المناقشة لمحتوى الكتاب الذى لم يرض
مؤلفه عن عرضى له ونسب إلى الاجتزاء والابتسار واعادة ترتيب الاوليات بصورة شوهت
الكتاب وهو ما دفعه لأن يحدد فى مقاليه المحور الاساسى الذى اقام عليه مؤلفه لزيح
عنه اثار "التشويه" الذى الحقته به فيم نشره الاهرام له يوم 22 فبراير
قال المؤلف ما نصه ان كتابه "دعم للشرعية الدستورية القانونية والاجتماعية
لمصر والبلاد العربية والاسلامية ونقاش بالحجة الشرعية والادلة العقلية لشعارات
تهدف إلى تقويض الشريعة باسم الدين وتعمل على تهديد الامة براية الشريعة.
وبهذه العبارة اختصر
لنا المؤلف ما كان ينبغى أن نقطعه من اشواط إذا اردنا أن ننقاشه حقا وناخذ كلامه مأخذ
الجد – لنحدد الموقع الذى يقف فيه فدلالة التعبير كافية لكشف ذلك الموقع بما لا
يحتمل اللبس أو الشك فالرجل خص الدساتير فى مصر وغيرها من البلاد العربية
والاسلامية (بالشرعية) واعتبر الدعوى إلى تطبيق الشريعة الاسلامية تهديا لتلك الشرعية
فالشرعية عنده "غير شرعية".
وبالمنطق الذى سجله
طواعية دون اى ارهاب مادى أو معنوى فانه اختار بنفسه هذه المعارضة ووقف منحازا ضد
الشريعة رافضا لها جملة وتفصيلا بل ومتهما الداعين اليها بتهديد الامة وتفويض
الشرعية.
وهذا الموقف المبدئى
الذى ينطلق منه ويتمسك به هو الذى دفعه إلى السعى بكل الدأب الممكن للبحث عن مختلف
الذرائع والحيل لتوفير الحيثيات التى تدعم المنطوق وتسانده من اجل ذلك فلم يتردد
فى اهدار قواعد التفسير والاصول وفى النصوص وتأويلها والاعتماد على ما هو مدسوس
فيها ومكذوب ليقطع الطريق امام الشرعية وينقضها من اساسها وتلك امور اثبتها فيما
كتبت وهى ذاتها التى استفزت الامام الاكبر شيخ الازهر حيث كتب رسالته الغاضبة التى
نشرت يوم 16 فبراير والتى وصف فيها فكر صاحب الكتاب بانه يشيع الفتنة وانه محاولة
لزعزعة عقيدة الإسلام فى قلوب اهله.
على النقيض من ذلك
تماما كان ولا يزال موقفى الذى احسبنى اثبته أيضاً فيما كتبت اذ لست فقط واحدا ممن
يتشرفون بالانحياز إلى شرعية الشريعة لكنى أيضاً ممن يعتبرونها المصدر الاساسى
للشريعة ويذهبون إلى أن هذا هو ما عبر عنه الدستور فى مصر وفى اكثر البلاد العربية
والاسلامية الذى حرص صاحبنا على أن يؤكد أنه وحده مناط الشرعية.
والامر كذلك
فالموقفان يصبحان واضحين تماما فى مفهومهما وفى تناقضهما ولم يعد ثمة مبرر لايضاح
ما هو واضح.
ونحن نختار فى هذه
اللحظة قطع الجدل وترك الامر بين ايدى القراء ليحكموا عقولهم وضمائرهم فى الاختيار
بين هذا الموقف أو ذاك وقد نقترح عليهم أن يقرأوا بحياد تام كتاب "الإسلام
السياسى" بعدما طالبنا بعدم مصادرته وقلنا انه إذا كان القران قد خلد الفكر
المضاد بين دفتيه فلماذا يحجب اى فكر مضاد اخر عن الناس كما قلنا ان الرأى ينبغى
أن يواجه بالرأى وليس بقرارات السلطة واجراءاتها ولكى يكون حكم القراء عادلا فى
القضية فاننا نلفت الانظار إلى امور عدة نحسبها مفيدة فى حسن تقدير الموقف :
وعدالة الفصل فيه:
أولاً : ليس من
الانصاف ولا من الحق أن يوصم كل حديث عن الشريعة أو المشروع الاسلامى بانه دعوة
إلى التطرف والارهاب والتعصب والتكفير وما إلى ذلك وان فهمنا أن يوجهه الخطاب على
هذا النحو لسبب أو اخر فى سياق الإعلام الامنى فانه يظل من غير المفهوم أو المبرر
أن يمضى الحديث على ذات النهج فيما يفترض أنه خطاب علمى وجاد نحن لا ننفى وجود هذه
الافكار بين الاسلاميين ولكننا ينبغى أن نقرر فى الوقت ذاته أن دعاة تلك الافكار
قلة شاذة بين العاملين فى الحقل الاسلامى وان مسلكهم هذا موضع انكار من عامة
الاسلاميين وإذا حكم على كل مجتمع بشواذه فعلى الدنيا السلام.
ولان الامر واضح وضوح
الشمس فإن اغفاله المستمر مع تعميم تلك الاتهامات على كافة الاسلاميين دون فرز أو
تمييز انما يعد من قبيل المغالطة المتعمدة التى تهدر سلامة منهج البحث وتشكك فى
سلامة قصد الباحث، الذى اختار موقف الرفض للشريعة من الاساس.
ثانيا – لا محل
للخلاف حول ضرورة الحكومة لكل مجتمع واذ قال المؤلف ان اية جماعة ولو كانت من
ثلاثة افراد فى حاجة إلى رئيس أو امير فاننا نوافقه على مقولته فحتى لا يبقى
للمجتمع تماسكه مع وحدته لابد أن يقوم فى الجماعة نظام يحدد للكافة ما هو مباح
حلال وما هو ممنوع "حرام" وما هو الجزاء المترتب على منح المباح أو
ارتكاب الممنوع.
ومن بديهيات المعرفة
القانونية أن ضرورة الحكومة نشأت من ضرورة النظام واختصت بايقاع الجزاء تمكينا لما
هو مباح ومنعا أو ردعا لما هو ممنوع وهذا النظام شامل الحكم أو هو الشريعة أو هو
القانون لا تهم التسمية لأن الاهم هو
استبعاد الفوضى والاحتكام للقوة والاستبداد والبغى.
وبالتالى فلعل قارئ
الكتاب يتسامح مع المحاورات غير المجدية التى يبذلها صاحبة لانشغال الناس بالفروق
الشكلية بين التسميات وتطورها اللغوى لأن الأولى بالانتباه هو السؤال التالى : هلى
يتضمن القرآن الكريم والسنة قواعد تبين الحلال والحرام وتأمر بالجزاء أم لا؟ إن وجدت
تلك القواعد فالاسلام نظام أو شريعة أو قانون أو قواعد سلوك ملزمة والفقة شروح
لتلك القواعد لا يضيره ولا يغير من طبيعته أن يسمى شريعة.
حق اريد به باطل.
ثالثا : فى كافة
النظم والشرائع السائدة فى الارض هناك قواعد سلوك آمرة أو ناهية ترفع إلى مرتبة
اسمى من باقى القواعد وهى عادة قليلة العدد وان كانت كلية المضمون تصاغ فيما يسمى
الدستور أو القانون الاساسى وهو الذى يشكل الاطار أو الوعاء الذى تخرج منه كافة
القوانين واللوائح والاوامر فالقانون المدنى فى مصر يضم 1029 مادة والقانون
التجارى 419 مادة وقانون العقوبات 395 مادة وفى مقابل ذلك فمواد الدستور المصرى
لاتتجاوز 221 مادة وهذه المواد القليلة نسبيا هىالمرجع الحاكم لكل المواد فى كافة
القوانين وكافة اللوائح والأوامر والامر كذلك فلا محل لهذا الجهد الذى يبذله
المؤلف لالغاء صفة التشريع عن القران الكريم، استنادا إلى كم ايات الاحكام
والتكاليف لأن العبرة –نكرر-
بمضمون تلك الايات وان كانت بعدد اصابع اليد الواحدة.
رابعا : يعرف كافة
اهل العلم أن القران الكريم تضمن قواعد دستورية واخرى تشريعية وثالثة اخلاقية
ويدرك اهل القانون اكثر من غيرهم أن كل قاعدة قانونية آمرة أو ناهية تتضمن عنصرا
اخلاقيا ومؤلف الكتاب يغالطنا عندما يقرر أن كل قواعد الشريعة الاسلامية مجرد
قواعد اخلاقية لانه لابد يعرف بحكم ثقافته القانونية الفارق الجوهرى بين ما هو
قانونى واخلاقى وان هذا الفرق يتمثل فيمن يوقع الجزاء عن مخالفة القاعدة ونوعية
ذلك الجزاء.
لذا لا يسعنا الا أن
نقول بأن زعم المؤلف أن قواعد الشريعة الاسلامية كلها اخلاقية هو حق اريد به باطل
اذ يراد به فى نهاية الامر استبعاد القواعد الدستورية والتشريعية واباحة مخالفتها
او ترك الجزاء عن مخالفتها لمن يريد وهو المنطق الذى يخدم موقفه الاصلى من
الشريعة.
هل
استنفد القران غايته؟
خامسا : فى كل النظم
والشرائع والقوانين إذا رأى من يطبق الدستور أو القانون أو اللوائح أن النص غامض
الدلالة فله أن يلجأ فى سبيل فهم دلالته إلى المبادئ العامة فى التشريع أو إلى
المذكرة التفسيرية. وهذه المذكرة هى صياغة للمناقشات أو الاسباب التى ادت حين
وقوعها إلى وضع القاعدة القانونية.
ولانه رجل قانون
فلابد أنه يعلم علم اليقين أنه لا يجوز باى حال الالتجاء إلى المبادئ العامة او
المذكرات التفسيرية اذ كان النص صريحا فى دلالته وهو ما ينطبق بالضرورة على
الشريعة الاسلامية.
هنا يحضرنا ما كتبه
الشيخ محمود شلتوت شيخ الازهر الاسبق عن الامام محمد عبده وطريقته فى التفسير وكيف
أنه لم يكن ذا اهتمام كبير باسباب النزول بل كان يعتمد فى فهم المعنى وربط الايات
على ما يفيده الموضوع وترشد اليه الالفاظ والاساليب حسب المعهود فى اللسان العربى
مجلة الرسالة عدد 17 يوليو سنة 1944م.
لم يقل ابن عباس ولا
غيره ان الحكم القرآنى كالحكم فى قضية مدنية لا حجية له الا فى ذات الموضوع على
ذات الخصوم فالقران لم يكن احكاما قضائية ولكنه شريعة يحكم بها والرسول عليه
الصلاة والسلام لم يكن وهو يبلغ الرسالة قاضيا فى خصومة ولكنه كان مبلغا لشريعة
يحكم فى الخصومات طبقا لها.
ولان لكل اية سببا
نزلت من اجله فتعميم ذلك النهج المفتعل والمنسوب إلى ابن عباس زورا وبهتانا يقودنا
إلى نتيجة لا نعرف ان كان المؤلف قد سعى اليها أم لا وهى أن القران كله قد استنفد
غايته وانتهت حجيته وانفضت احكامه بمجرد انتهاء اسباب النزول. ولنضرب للمؤلف مثلا
من قانون العقوبات المصرى لعله يعرفه جيدا. فالمادة 48 من ذلك القانون وضعت بسبب
حادث وقع فى سنة 1910عندما اتفق مجموعة من الشبان الوطنيين على قتل رئيس الوزراء
انذاك بطرس غالى باشا ولما قام احدهم بالتنفيذ ثم قدم إلى المحاكمة فإن القاضى
اصدر حكمة باعدام القاتل وبراءة الباقين لأن القانون المعمول به لم يكن يعاقب على
الاتفاق الجنائى وانما يعاقب فقط على مباشرة الفعل وقد استدرك المشرع الموقف
لاحقا. واضاف تلك المادة رقم 48 إلى قانون العقوبات التى باتت تعاقب على ارتكاب
الجريمة حتى ولو لم يؤد بعض من اتفقوا عليها دورا ايجابيا فى التنفيذ.
هذا هو سبب وضع
المادة التى مازالت سارية ويعاقب بمقتضاها كل الذى يتفقون على عمل غير مشروع رغم
أن سبب وضعها انقضى منذ ثلاثة ارباع قرن ولم نسمع أن احتج بأنها خاصة بمقتل بطرس
باشا غالى ولا يجوز تطبيقها على غيره.
حديث الافك مستمر
تبقى بعد ذلك
ملاحظتان اخيرتان تتعلقان باسلوب الحوار فى القضية نستخرجهما من الرد الذى نشره
الاهرام للمؤلف يوم الاثنين الفائت 22 فبراير اولهما قوله اننى تناولت كتابة فيما
عرضت "بالشتائم والسخائم" وثانيتهما أنه قدم فى مقاله بلاغا ضدى من شقين
اننى اتهمت السيد وزير الداخلية بمخالفة الدستور ثم اننى ممن ينتمون إلى اعتقاد الشيعة.
تدهشنا تلك المقولة
الأولى لأن تعبير الشتائم والسخائم هو الوصف الأدق للاسلوب الذى تعامل به الكتاب
مع الاسلاميين بل مع التجربة الاسلامية طوال 14 قرنا عندما وصف كل دعاة الشريعة
بانهم فجار واشرار وانهم جهال غيرمبصرين وأنهم دمويون وانتهازيون وجشعون وعندما
وصف جماهير المسلمين بالغباء والسلبية وعندما تحدث بازدراء وتحقير بالغين عن خلفاء
المسلمين وفتوحاتهم وخلفائهم.
إذا كانت هذه هى لغته
فى الخطاب فلماذا ينكر علينا رد سبابه وعدوانه؟
بقى البلاغان اللذان
وجههما ضدى فى مقاله السالف الذكر ودهشتنا بشأنهما اكبر واستغرابنا اشد.
اذ احسب أنه لا يليق
أن ينقل على لسان وزير الداخلية كلاما لم يقله فقد ذكر أن الرجل قال فى مجلس الشعب
ان الخلافة الاسلامية تتعارض مع الدستور فى حين ان الوزير لم يشر من قريب أو بعيد
إلى مسألة الدستور ومضبطة جلسة 30 نوفمبر التى جرت فيها المناقشة تكذب ذلك الادعاء.
ثم انه لا يليق بقاض
أن يزج بالسيد وزير الداخلية وقد كرر العبارة بهذه الصيغة خمس مرات فى حوار يفترض
أنه حول فضية علمية هل اعوزته الحجة فلجأ الى استعداء السلطة؟
لا اريد أن ازيد ولن
اناقش ادعاءه الذى يقوم ضده وسانتقل إلى النقطة التالية مباشرة.
بنى الكاتب اتهامه لى
بالتشيع على ادعائه باننى ممن يتمسكون باقامة الخلافة معتبرين أن الخلافة مسألة
عقيدية ودينية ورغم انى اكن احتراما لمعتدلى الشعية من الامامية الا أن موضع
الدهشة والغرابة هو الاساس الذى بنى عليه الكاتب ادعاءه ففى ذات المقال الذى تحدثت
فيه عن وزير الداخلية المنشورة فى 15 ديسمبر الذى رجع اليه صاحبنا واراد أن
يستخدمه فى بلاغه الأول قلت عن الخلافة ما نصه :
ان الجدل حول الخلافة
يعد من قبيل الترف السياسى والفكرى فضلا عن كونه تعبيرا عن الخل فى رؤية بعض
التجمعات الاسلامية المعاصرة التى باتت تعطى الاولوية لشكل الحكم وهويته. بصرف
النظر عن مضمونه ومقاصده.
قلت أيضاً ان اى مطلع
على مبادئ النظام السياسى الاسلامى يدرك أنه ليس فى الإسلام شكل محدد لنظام الحكم
وان الشورى هى القاعدة والاساس الاهرام 15 ديسمبر
هذا الكلام الواضح
القاطع قرأه صاحبنا ثم قلبه رأسا على عقب وذكر فى مقاله اننى متمسك بالخلافة
ومعتبرها مسألة عقيدية ودينية واننى بذلك انتقلت إلى مربع التشيع لقد ابى الرجل
وهو يرد على ماكتبت الا أن يذكرنا بأن حديث الافك لا يزال مستمرا سيادة المستشار
رسالتك وصلت شكرا.
الاهرام 7/11/1988.
مصادرة مؤلفات قاض
يجلس على منصة العدالة !!
هذه اول مرة فى
التاريخ المصرى الحديث تصادر فيها مؤلفات لواحد من الجالسين على منصة العدالة، بكل
ما تحمله "المصادرة" من ظلال كئيبة على مكانة القضاء والقاضى فى مصر.
فقد صودرت خمسة مؤلفات للمستشار محمد سعيد العشماوى رئيس محكمة امن الدولة العليا
ومحكمة الجنايات بالقاهرة، والغريب ان الكتب لواحد من كبار رجال القانون، ولم تتخذ
فى مصادرتها اى اجراءات قانونية صحيحة، بل ذهب احد موظفى الإدارة العامة للبحوث
والتأليف والترجمة بمجمع البحوث الإسلامية الى حيث تعرض كتب المؤلف، وكتب محضرا
يقول بأنه فى يوم الثلاثاء 7/1/1992 قام بالمرور على دار سينا للنشر بالمعرض
الدولى للكتاب فوجد الآتى : (1) الإسلام السياسى. (2) معالم الإسلام. (3) الخلافة
الإسلامية. (4) الربا والفائدة فى الإسلام. (5) اصول الشريعة. وجمع من كل كتاب 25
نسخة، وتحفظ عليها وارسل نسخة واحدة الى إدارته واخذ تعهدا بمنع عرض بقية النسخ
"لحين النظر فيما يمكن عمله من سحب كل الكمية وذلك لصدور قرار لمصادرة هذه
النسخ من قبل الإدارة"
امران مدهشان فى هذه
الواقعة:
الأول : ان هذه الكتب
موجودة فى الاسواق منذ سنوات ويرجع تاريخ احدها الى 13 سنة.
والثانى : ان الإدارة
المذكورة غير مختصة بمصادرة الكتب وفقا للقانون.
المستشار محمد سعيد
العشماوى بدأ حياته العملية معاونا للنيابة العامة بالاسكندرية ثم مساعدا ثم وكيلا
للنيابة ثم قاضيا بمحاكم الاسكندرية والقاهرة ثم رئيسا لنيابة وسط القاهرة ثم
رئيسا لنيابة وسط القاهرة وكيلا عاما للإدارة العامة للتشريع بوازرة العدل، ثم
مستشارا بمحكمة استئناف القاهرة ثم رئيسا لمحكمة الاستئناف القاهرة، ثم رئيسا
لمحكمة الاستئناف العليا للاحوال الشخصية بالقاهرة وهو حاليا رئيس محكمة امن
الدولة العليا ومحكمة الجنايات بالقاهرة، وبالإضافة الى ذلك فهو محاضر فى القانون
المقارن ومقارنة الاديان والشريعة الإسلامية فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة
وجامعات هارفارد وييل وبرنستون وكاليفورنيا بالولايات المحتدة الأمريكية وفى جامعة
السوربون بفرنسا وليدن بهولندا وتوبنجن بالمانيا وجامعتى اوبسالا ولوند بالسونيد
اما قائمة مؤلفاته فتضم : رسالة الوجود تاريخ الوجودية فى الفكر البشرى ضمير
العصر، حصاد العقل، جوهر الإسلام، روح العدالة، القانون المصرى والشريعة الإسلامية
.. دراسة مقارنة.
ومؤلفاته المصادرة هى
: "اصول الشريعة" الصادر سنة 1979 وطبعة ثانية سنة 1983 وثالثة سنة 1992
و"الإسلام السياسى" الصادر سنة 1988 وطبعة ثانية سنة 1990 وثالثة فى
الطريق و"الربا والفائدة فى الإسلام سنة 1988" "والخلافة
الإسلامية" سة 1989 وطبعة ثانية تصدر قريبا.
اما الترجمات فقد نقل
"الإسلام السياسى" الى الفرنسية (طبعتان) فى طبعة بواشنطن تصدر خلال
الشهر القادم، ويترجم حاليا الى الإيطالية والإسبانية، ثم اصول الشريعة" الذى
تمت ترجمته الى الانجليزية ويصدر قريبا عن جامعة سراكيوز بالولايات المتحدة وهى
كتب-على الجملة- موجودة فى المكتبات والجامعات.
اصول الشريعة
وبعد ان علمنا بقرار
المصادرة اجرينا هذا الحوار مع المستشار العشماوى..
ما مشروعك الفكرى فى
الكتب الخمسة التى صودرت فى معرض الكتاب منذ يومين؟
بدأت بعد تخرجى فى
الكتابة فى الفلسفة الاجتماعية والفلسفة الإنسانية والفلسفة الكونية واصدرت عدة
كتب فى ذلك كان اولها "رسالة الوجود" وفى سنة 1970 وفيه سنة 1973 وفيه
نقد للعقل الإسلامى ونقد للعقل الغربى بقصد ايجاد منهج يضع للإيمان منهجا ويضع فى
العلم إيمانا وفى سنة 1978 بدأت فى كتابة "اصول الشريعة" وكان ذلك
إسهاما منى فى مواجهة الدعوى التى كانت شائعة والتى كانت تتبناها الجماعات
الإسلامية.
لتقنين الشريعة
الاسلامية، وكانت تريد بذلك ان تنتهى الى ان المجتمع كافر لانه لا يحكم بما انزل
الله، وان الحكومة كافرة لهذا السبب ايضا الامر الذى يبرر لها اى اعمال عنف ضد
المجتمع وضد الحكم، وقد انتهت دراستى فى كتاب "اصول الشريعة" الى وجود
خلط فى العقل الاسلامى بين الشريعة والفقة فالشريعة هى الطريق الى الله، بينما
الفقه هو اجتهادات البشر من الفقهاء والخلط بين الشريعة والفقه هو خلط بين ما جاء
م الله وما صدر عن الناس، وكانت دعوة تقنين الشريعة والفقه هو خلط بين ما جاء من
الله وما صدر عن الناس وكانت دعوة تقنين الشعرية فى الواقع تستهدف تقنين الفقه
الإسلامى لانه كما ثبت من كتابى "اصول الشريعة" فإن الاحكام القانونية
فى القران الكريم وردت فى 80 اية من مجموع ايات القران الكريم وعددها اكثر من ستة
الاف اية، وهذه الاحكام تتعلق بالاحوال الشخصية من زواج وطلاق.
وبالمواريث وبالوصية
ولا يوجد فيها الا حكم مدنى واحد غير محدد وفى حاجة الى ايضاح من الفقه، وهو
"واحل الله البيع وحرم الربا" اذ لم يبين القران ما هو البيع وما هو
الربا، وترك ذلك للفقهاء، كما انه لايود الا حكم خاص بإثبات الديون كتابة فى غير
التجارة، واربع عقوبات تسمى بالحدود وهى : حد السرقة وحد قذف المحصنات وحد الزنا
وحد الحرابة او قطع الطريق ، وقد تبينت من دراستى ان حد قطع الطريق هو بذاته
العقوبة والواردة فى قانون العقوبات المصرى، وان العقوبات الاخرى مشروطة بقيام
مجتمع تتحقق فيه العدالة السياسة والاجتماعية والاقتصادية لان الإسلام عدالة قبل
ان يكون عقوبة.
وبعد نشر هذا الكتاب
طلب منى بعض الاصدقاء تبسيط الكتاب فى صورة مقالات تنشر بجريدة الاخبار وبالفعل تم
ذلك وكنت اعتقد انى انشر بحوثا علمية بقصد تنوير المسلمين وتجلية قضية تطبيق
الشريعة والنأى بالدين والشريعة والإسلام عن أن تكون شعارات.
وفور نشر مقالين فى
جريدة الاخبار خلال شهر يوليو سنة 1979 فوجئت بكل مجلات الجماعات الإسلامية تنهال
على بالتهديد وإهدار الدم دون مناقشة موضوعية، وكان لابد من الاستمرار فى كتابة
المقالات.
واذكر بعد ان نشرت
مقالا بعنوان "نظام الحكم فى الشريعة" ان كتب صالح عشماوى رئيس تحرير
مجلة "الدعوة" الخاصة بالإخوان المسلمين مقالا جاء فيه (لابد ان يسكت
المستشار سعيد العشماوى) وفهمت من معنى العبارة ومضمون المقال انه يدعو لإسكاتى
ولو بالاغتيال ومع ذلك استمررت فى الكتابة فنشرت بعد ذلك مقالا بعنوان
"الإسلام والأديان" وكان القصد منه بيان سماحة الإسلام وانه يحترم اهل الكتاب
خاصة والشرائع الاخرى عامة.
وقد سمعت بأذنى احد
خطباء المساجد، وهو يدعو الى ذلك فعلا وكنت اجلس فى ذلك الوقت مع الاساتذة توفيق
الحكيم وابراهيم فرج "سكرتير عام حزب الوفد حاليا" وانور احمد
"وكيل وزارة الشئون الاجتماعية سابقا" والكاتب يوسف جوهر.
وجمعت المقالات التى
نشرت فى جريدة الاخبار بالإضافة الى مقالات اخرى الى جانب بحث طلبت منى وزارة
العدل كتابته ليدرسه رؤساء ووكلاء النيابة الذين كانوا يحققون مع اعضاء تنظيم
الجهاد اثر اغتيال الرئيس السادات، خاصة ان اغضاء تنظيم الجهاد كانوا يجادلون
المحققين وظهرت هذه المقالات والحث فى كتاب "جوهر الاسلام"
الإسلام السياسى
وبعد ذلك لاحظنا
استشراء ظاهرة الجماعات المتطرفة ورفعها شعارات "حاكمية الله"
و"الجهاد فريضة غائبة" و " والقومية الإسلامية" التى كانوا
ينقدون بها الوطنية المصرية اى انتماء لاى بلد عربى او إسلامى فكتبت عدة بحوث
جمعتها فى كتاب "الإسلام السياسى" وهى كلها تتعرض بالتفنيد الدينى
والشرعى والعلمى لكل اقاويل جماعات الاسلام وصار تعبير "الاسلام
السياسى" بعد ذلك علما على هذه الجماعات يتداول فى الشرق والغرب معا ، وكان
لظهور كتاب "الإسلام السياسى" سنة 1988 اثر مزلزل على جماعات الإسلام
السياسى فهاجمتنى بقسوة.
الربا والفائدة فى
الإسلام
ثم نشرت بعد ذلك كتاب
"الربا والفائدة فى الإسلام" لأنى كنت رئيسا لمحكمة الاستئناف العالى
بالاسماعيلية ولاحظت ان القضاة يمتنعون عن الحكم بالفائدة بزعم انها مخالفة
للشريعة دون ان يقدموا اى بحث فى ذلك فأصدرت حكما شهيرا فى 10/6/1986 وانتهيت فيه
بالبحث العلمى الى ان الفائدة القانونية التى نص عليها القانون المصرى ليست هى
الربا المحظور شرعا فى الإسلام، وان هذا الربا هو ربا الجاهلية الذى يحصل فى
مقايضة فى اشياء ستة على وجه التحديد وليس فى اى تعامل نقدى كما انه – اى ربا الجاهلية – هو الذى يضاعف فيه الدين اضعافا مضاعفة فى اجل او اجال قريبة
وينتهى باسترقاق المدين ان عجز عن الوفاء بدينه الربوى وهذه كلها شروط لا تتوافر
فى الفائدة القانونية.
وقلت فى هذا الحكم ان
القاضى الذى لا يحكم بالقانون الذى اقسم على احترامه انما يحنث فى يمينه وطلب منى
بعض الاصدقاء ان اوسع البحث الذى ذكرته فى الحكم ليصبح كتابا ونظرا لوجود المراجع
امامى فقد كتبت الربا والفائدة فى الإسلام وكنت اهدف به الى تثبيت النظام القانونى
المصرى والنظام المصرفى المصرى والى ان انبه الشعب المصرى الى ان دعاوى شركات
توظيف الاموال ومن يؤيدهم من العلماء لا تقوم على اساس شرعى ولكنها تقصد التلويح
لهم بحرام الفائدة لكيلا يودعوا اموالهم توظيف الاموال التى توقعت ان تفلس وقد
افلست.
معالم الاسلام
ومتابعة لاعمالى
الدينية نشرت كتاب "معالم الإسلام" واهم ما فيه انى انقد بالدليل الشرعى
ما تدعيه جماعات الإسلام السياسى من ان النبى عليه الصلاة والسلام امر باغتيال
ثلاثة هم : كعب بن الاشرف وابو رافع والشاعرة عصماء بنت مروان وهذا الادعاء هو
الذى يعتبرونه سنة ينبغى عليهم اتباعها. وتشرع لهم اغتيال خصومهم.
وبعد ذلك تبينت ان
جماعات الإسلام السياسى ترفع شعار "الخلافة الإسلامية" وهى تقصد به
تفويض كل نظام الحكم فى العالم الاسلامى بدعوى انها ليست الخلافة الإسلامية ومن
قبل ان تنشأ هذه الخلافة لو يتم الاتفاق عليها وبذلك تحدث الفوضى من قبل ان يستقر
النظام ومن ثم الفت كتابى "الخلافة الإسلامية" وفى هذا الكتاب يوجد فصل
ربما كان بعض علماء الازهر لا يوافقون عليه اذ ذكرت ان الحجاج بن يوسف الثقفى
اجترأ على القران وذلك لا بين مدى جرأة مثل هذا الحاكم حتى على القرأن الكريم ذاته
وكان سندى فى ذلك كتاب "المصاحف" للساجنتانى وهو كتاب قديم كان قد طبع
حديثا، وبيع فى مكتبات هيئة الكتاب، اما مرجعى الاخر فهو كتاب "الموسوعة
القرانية" لابراهيم الإبيارى وهو كتاب موجود فى الاسواق ولم يصادر وذكرت
المرجعين فى هامش المتن.
الكتابة الإسلامية
لماذا ركزت جهودك فى
التأليف على ملاحقة ما اسميته بتيار الإسلام السياسى، وتعقب الشعارات التى طرحوها؟
بدأت كتاب "اصول
الشريعة" كبحث علمى لا اقصد به مواجهة احد او ملاحقة اى فكر واذا بى اهاجم من
جماعات الإسلام السياسى وغيرها وكان مؤدى هذا الهجوم ان وجدت نفسى فى حلبة الكتابة
عن القضايا الاسلامية فاضطررت الى وضع منهج لى فى الكتابة عن القضايا الإسلامية
خاصة اننى كاتب اصلا ونشرت لى اربعة كتب قبل "اصول الشريعة" وكان تخطيطى
فى ذلك محددا هو ان اواجه الشعارات التى تطرح لتقويض المجتمع ولتهديد الإسلام
ولتحويل الشريعة الى حزبية وصراع فكنت بكتاب "اصول الشريعة" اواجه دعوى
تقنين الشريعة وهى فى الحقيقة تقنين الفقه، وبكتاب "الإسلام السياسى"
اواجه فكرة حاكمية الله وفكرة ان الجهاد فريضة غائبة وبكتاب "الربا والفائدة
فى الإسلام" اواجه ما كان يقال عن عدم شرعية النظام المصرفى والنظام المالى
للدولة، وبكتاب "الخلاف الإسلامية" اواجهه دعوى المطالبة بإنشاء خلافة
إسلامية غير متفق عليها، وليس من السهل ان تنشأ فى الظروف الحالية، فأنا لم اكن
مصرا على تعقب شعارات تيار بعينه ولكنى قد اجد نفسى مجندا للدفاع عن الإسلام
وللدفاع عن النظام ضد الفوضى وحدث ذلك فى تسلسل وضمن اطار مخطط وقصدت به تقديم
مشروع متكامل لتجديد الفكر الإسلامى دون مجرد الدعوة الى التجديد، فافضل من الدعوة
الى التجديد محاولة التجديد ذاته وتقديم افكار فى ذلك محمولة على اسباب شعرية
ومسنودة بأدلة إسلامية.
وهل انجزت مشروعك؟
انجزت ما اريد ان
اقوله فى الإسلام ولذلك انتقلت للكتابة فى اتجاه اخر فكتبت باللغة الانجليزية كتاب
"الدين للمستقبل" اثبتت فيه ما توقعته فى اول كتاب لى من ان الدين سوف
يلعب دورا مهما ابتداء من تسعينيات هذا القرن واربط فيه الفيزياء الحديثة بجوهر
الدين ذلك ان علم الفيزياء الحديث اصبح يتكلم بلغة صوفية او بلغة هى اقرب الى صميم
الدين والى جوهر الإيمان، واؤمل ان يصدر هذا الكتاب هذا العام، ومشروعى خلال عام
1992 ان اعيد صياغته بالعربية تحت اسم "روح الدين".
لهذا صادر الازهر
كتبى
من وجهة نظرك ما الذى
دفع مندوب الازهر الى مصادرة كتبك الخمسة؟
يسأل هو فى ذل ، فهو
لم يخطرنى اطلاقا بالمصادرة ، وهو ليس جهة مصادرة وانا انكر على هذا الموظف تصرفه
واعتبر انه عدوان على وعلى كتبى.
ولكن اذا كان لى ان
اتصور السبب فى ذلك فهو ان بعض رجال الازهر يريدون ان يلعبوا دورا مهما فى الحياة
السياسية ويسيطروا على مقادير الفكر والفن والادب فى مصر ويضاف الى ذلك ان احداث
الجزائر ربما كانت دافعا للبعض لكى يزايد ويحاول مغازله تيار "الإسلام
السياسى" باللغة العربية اكثر من مرة كما نشرته باللغة الفرنسية، واخيرا
فربما كان من اسباب هذا التصرف محاولة ارضاء جماعات الإسلام السياسى فى مصر.
قوانين مصادرة الكتب
ما هى الجهات التى من
حقها مصادرة الكتب فى مصر؟
حق مصادرة الكتب هو
بحسب القانون العادى وطبقا للقانون رقم 20 لسنة 1936 بشأن المطبوعات "المادة
العاشرة" فإن لمجلس الوزراء كله ان يمنع من التداول فى مصر المطبوعات المثيرة
للشهوات، وكذلك المطبوعات التى تتعرض للأديان تعرضا من شأنه تكدير السلم العام،
وعند اعلان حالة الطوارئ عملا بالقانون رقم 62 لسنة 1958 وهى معلنة فى مصر حاليا
اعتبارا من 6 اكتوبر 1981 فإن الذى يملك حق مصادرة الكتب هو الحاكم العسكرى العام
او من ينيبه فى ذلك ويصدر بالمصادرة قرار من الحاكم العسكرى العام او مجلس الوزراء
حسب الأحوال مسببا ويعلن لصاحب الشأن أى للمؤلف والناشر ويعد هذا القرار إداريا،
يكون لهما او لأى منهما حق الطعن عليه امام القضاء.
وفيما عدا هاتين
الحالتين، فقد حدث فى نهاية عهد الرئيس السادات ان اصدر قانون العيب
"القيم" وقانون الوحدة الوطنية، واجرى تعديلات فى بعض نصوص قانون
العقوبات لمحاكمة كل من يتعرض للأديان.
وبمقتضى هذه النصوص
التى وردت فى هذه القوانين يمكن محاكمة اى كاتب او مؤلف بتهمة التعرض للأديان ولو
بتفسير رمزى أو تأويل متعسف أو باسقاطات غير حقيقة، فإذا صدر حكم بالإدانة كان
للمحكمة ان تأمر بالمصادرة وفيما عدا هذه الحالات الثلاث فليس لأى جهة، اى حق فى
مصادرة اى كتاب وكل ما يفعله الأزهر ان رأى وجها لمصادرة كتاب وهذا مالا نرجو ان
يصدر عنه ان يحرر مذكرة بالاسانيد ويرسلها الى جهة الاختصاص، اما مجلس الوزراء او
الحاكم العسكرى العام او النيابة العامة ولكنه لا يقوم بنفسه بالمصادرة وليس له حق
التحفظ على المطبوعات ايا كانت.
ولكن قوانين العيب
والقيم تفتح الباب واسعا اما مصادرات ومحاكمات؟
يتعين على الكتاب
والمثقفين والمؤلفين والهيئات التى تضمهم والنقابات المعنية بالأمر كنقابة
المحامين ونقابة الصحفيين بعناية، وان ترفع مذكرة الى الجهات المسئولة لطلب
الغائها باسلوب شرعى، لان بقاء هذه النصوص التى وضعت فى ظروف استثنائية قد يسوغ
حبس اى مؤلف ومصادرة اعماله فضلا عن انه يضع رقابه عنيفة داخل كل مؤلف. وينشر جوا
من الخوف والإرهاب فى الحياة الفكرية والفنية والادبية يضاف الى ذلك انه لابد من
وضع معايير لا تسمح باتهام اى مجتهد فى الفكر الدينى بالكفر والالحاد، لان الفكر
الدينى الاسلامى باعتراف الجميع فى حاجة الى تجديد ومع قيام سيف الاتهام بالالحاد
وسيف الارهاب من جانب اخر فان احدا مهما كان علمه لن يقدم اى اجتهاد فى الفكر
الاسلامى ولقد شاهدنا كيف ان بعض الجماعات الاسلامية وبعض الصحف التى تصدر عنها
هددت المفتى نفسه واتهمته فى دينه، عندما حاول ان يصدر فتوى عن شهادات الاستثمار
مع ان المسألة محل نظر وليست امرا مقطوعا به ولكل مسلم ان يقول رأيه ما دام اهلا
للاجتهاد، وحمل رأيه على اسباب شرعية مقبولة ومبررات دينية سائغة.
ادعو المسئولين عن
المصادرة لمناظرة
ربما كان تصرف اللجنة
التى صادرت الكتب او تحفظت عليها، نتيجة ما رآه الازهر من فداحة او ما اعتبره جرحا
فى الاسلام فما ردك على رؤية الازهر فى كتبك؟
مصادرة الفكر تكون
عندما لا يستطيع احد الرد على الفكر بفكر او يقيم العلم تقييما سليما ففى سنة 1926
عندما ظهر كتاب "الإسلام واصول الحكم" للشيخ على بعد الرازق اصدر شيخ
الازهر آنذاك الشيخ محمد بخيت المطيعى كتابا بعنوان "حقيقة الاسلام واصول
الحكم" بهذا كان الازهر يقارع رأيا برأى ويجادل حجة بحجة اما المصادرة فلا تكون
إلا حين العجز عن الرد او المجادلة.
وانا اعتقد ان الأزهر
لم يجد فى كتبى اى شئ مخالف للدين او الشريعة ولو كان قد وجد لما سكت هذه المدة
الطويلة، ولما اصدر قراره دون اسباب وحيثيات وعلى العموم وحسما لهذه المسألة فان
ادعو المسئولين عن المصادرة الى مناظرة، على الهواء فى التليفزيون ليبدوا لى ما
يجدونه فى كتبى من اخطاء ولارد على ذلك على الفور وبالأسانيد والمراجع امام الناس
جميعا اما ان يصدر قرار غير مسئول وغير مختص بمصادرة كتبى جزافا فهو إساءة لاسمى
ومكانتى وتاريخى وإثارة للإرهابيين ودعوة لهم لاغتيالى وقد ألجأ الى القضاء
الجنائى والمدنى لمحاسبة المخطئ عن خطئه وللحصول على التعويض المناسب.
ما هو تأثير قرار
المصادرة على كتب؟ وهل تمنع من التداول لحين البت فيه؟
هذا القرار عبارة عن
عدوان مادى وليس له اى اثر قانونى وهو مجرد اساءة صدرت من جهة نحترمها ولم يكن من
الجائز ان يصدر عنها مثل هذا التصرف خاصة ان كتبى تملأ مكتبات العالم فى المشرق
والمغرب، وتوجد فى جميع مكتبات جامعات العالم، ومجرد صدور هذا القرار الذى لا سند
له من القانون ولا شرعية له من الدستور-والذى هو مجرد عدوان مادى يسيئ الى اساءة
بالغة دون ان يحقق اى مصلحة.
لن يكون الأزهر مقصلة
لاعدام الكتب والمؤلفين !!
بتاريخ 7 يناير
(1992) توجهت لجنة من مجمع البحوث الاسلامية الى مقر دار سينا للنشر بمعرض الكتاب
الدولى وحررت محضرا اثبتت فيه التحفظ على خمسة كتب من كتبى لوجود قرار بمصادرتها
وبتاريخ 11 يناير كررت اللجنة ما حدث من قبل مرة ثانية.
والكتب التى قيل
بمصادرتها مطروحة فى الأسواق المحلية والاقليمية والعالمية لمدد تترواح بين ثلاث
عشرة سنة وسنتين، فما الذى جد الان لمصادرتها؟
ومتى صودرت هذه
الكتب؟ هل حدثت المصادرة فور ظهورها وتأخر التنفيذ سنوات وسنوات، ام انها صودرت
منذ ايام دفعة واحدة ومصادرة جماعية هى اقرب ما تكون مصادرة لاسمى؟
وكيف صودرت هذه
الكتب؟ هل صودرت بفعل اللجنة مجهولة الاسماء التى حررت محضر التحفظ؟ ام من لجنة
اخرى من الاشباح لم نعرف اسماء ولا هوية اعضائها؟
ولما صودرت هذه الكتب
؟ هل توجد اسباب علمية وحيثيات شرعية لاى خطأ فيها ؟ وما هوا الخطا وما هو الدليل
وما هو الرد؟ ولماذا لم يخطر المؤلف بذلك للرد علميا او لإجراء حوار علمى مع من
يرى رأيا مخالف بقصد الوصول الى الحقيقة؟
لقد افنيت عمرى فى
البحث والدراسة والاجتهاد لتقديم فكر اسلامى متكامل ومستنير ولو انى اخطأت فلى اجر
المجتهد اما اذا اصبت فلى اجران اجر المجتهد واجر المصيب
واننى لعلى اتم
استعداد وبكل شجاعة لتغير او تعديل اى رأى او قول يقنعنى به عالم فاضل بالحجة
والجدال الحسن، انه خطأ وقعت فيه بحسن نية.
لقد كان الازهر
ومازال منارة يفخر بها كل مصرى واننا لنرجو من اعماق قلوبنا ان يناى الازهر بنفسه
وبرجاله عن الاجراءات العنيفة المرتجلة كالمصادرة وان يقارع الرأى بالرأى.
ويواجه الحجة بالحجة
ويناقش الكتاب بكتاب.
فمن الخير للأزهر
ولمصر وللعالم الاسلامى ان يظل الازهر دائما منارة للعلم ومثابة للامن وملجأ
للسلام لا ان يكون مقصلة لاعدام الكتب وشنق شخوص المؤلفين.

ليست هناك تعليقات